Tag Archives: الدكتورة زينب عبد العزيز

11/ 9 : تاريخ مشين

د. زينب عبد العزيز – بتاريخ: 2009-09-14

منذ ثمانى سنوات والحرب التى يقودها تحالف الغرب المسيحى برئاسة أمريكا، ضد الإسلام ، لا تكف عن الإتساع رغم الكتابات التى فضحت هذه المأساة الإجرامية، المصنوعة بأيديهم ، فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 .. وقد أعلنها رئيس يبدو أنه يجهل أبسط المعارف عن العالم وتاريخه ، فلا يمكن لهذه الحرب الدينية أن تستمر بلا نهاية : أنها حرب تهدف إلى إقتلاع مليار وثلث من المسلمين ،

إعتمادا على خطب مزيفة وعلى الخدع والأكاذيب والتلاعب بالمعطيات، للإستيلاء على البترول والمواد الخام وللسيطرة على الشرق الأوسط.. فالأحداث العالمية الناجمة عن ذلك اليوم الملعون ، الحادى عشر من سبتمبر ، كارثية .. حرب كاسحة عسكرياً وسياسياً وإقتصادياً وخاصة إنسانياً. نعم وبكل تأكيد، أنها حرب دينية صليبية ، بكل المقاييس ، بما أنها لم تنجم فحسب عن صيحة جورج دابليو بوش معلنا فحسب أنها “حرب صليبية” ، صيحة كانت بمثابة الضوء الأخضر للإعتداء ، لكنها أيضا أحد أهم قرارات مجمع الفاتيكان الثانى (1965). أحد تلك القرارات الشيطانية التى نصّت من ضمن ما نصّت عليه : هدم الإتحاد السوفييتى ؛ إقتلاع الإسلام ؛ مساهمة كافة المسيحيين فى عملية التبشير؛ إستخدام الكنائس المحلية فى عملية التبشير ؛ توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما. ولكل من لا يعرف هذه الحقائق فليطالع نصوص المجمع ! لذلك تمت شيطنة الإسلام بهيستيرية متعمدة مزدوجة المنبع. وتم فرض فكرة أن الإسلام عنيف وعدوانى وإرهابى، على العالم بأسره، عبر وسائل إعلام سياسية مسيحية منتقاه. وتم إتهام الإسلام والمسلمين لتنفيذ خطة تعجز أى لغة عن وصف إجرامها وقبحها. وهو ما يكشف إلى أى مدى ذلك الغرب المسيحى قد نسى تاريخه ، ذلك التاريخ الدموى لمسيحيته ..

وإذا وجب تذكير ذلك الغرب المعتدى بتاريخه نقول : هو عبارة عن صفحة سوداء ، كُتبت بالدم والإرهاب بإسم المسيحية ، منذ أولى خطواتها وحتى يومنا هذا : حروب صليبية ، محاكم تفتيش ، طرد أو تنصير إجبارى لمسلمى إسبانيا – ولا نقول شيئا عن المذابح التى حصدت الآلاف منهم ، عصر الإصلاح وحروبه ، وحروب عكس الإصلاح ، وحرب الثلاثين عاما ، والحرب الأهلية فى إنجلترا ، مذابح سانت بارتليمى ، مجازر كرومويل فى أيرلندا ، القتل العرقى لهنود الأمريكتين ، وحرب الثمانين عاما فى هولندا ، وطرد الهجنوت من فرنسا ، ملاحقة الساحرات قتلا ، دون أن ننسى إقتلاع شعوب الكاتار والبوجوميل والفودوا الذين تم سحقهم كليةً ، وحرب المائة عام ، والحرب الأهلية فى إسبانيا ، وحرب السنوات السبع ، ومجازر الثورة الفرنسية ، وحرب الفانديه ،

وحروب نابليون ، وحرب الأفيون ، وتجارة العبيد بكل أشكالها ومآسيها، والحرب الأهلية الأمريكية، والمشانق ، والحرب الفرنسية البروسية ، والقتل العرقى للأهالى فى المستعمرات الغربية فى إفريقيا ، والحرب المكسيكية ، والحرب الكورية ، وحرب فيتنام ، والحرب العالمية الأولى ، والحرب العالمية الثانية ، وكلها عناوين على سبيل المثال .. وما الذى يمكن قوله عن حروب الإحتلال التى تدور حاليا منذ ذلك التاريخ المشين ؟!

إن ما يدور فى أفغانستان والعراق أو فى فلسطين هو حصاد مرعب .. حروب شاركت فيها قوات دولية ، قوات التحالف الصليبية وفرق المرتزقة من أجل محاربة “عدو-شبح” من إختراعاتهم ! كل هذه القوى الشيطانية التى تحصد شعوبا وتهدم بنياتها التحتية ، لا بالبولدوزرات ، وإنما بمواد محرّمة دوليا ، بأسلحة إبادة جماعية ، بالفوسفور الأبيض وباليورانيوم المخضب !. أكثر من عشرة مليون مسلم تمت إبادتهم ظلما وعدوانا منذ ذلك التاريخ المشين على مرأى ومسمع من مجتمع دولى فَقَدَ معنى الشعور بالإهانة والغضب أو الحزن ، لكى لا أضيف أنه قد فقد معنى الأمانة والشرف. إن من يحمل مثل هذا الميراث ، ميراث مكون من أنهار جارية ومحيطات من الدماء البشرية ومن الأنقاض ،

والتى لا تزال فى إنسيابها منذ قرابة ألفى عام ، لا يحق له إتهام الإسلام الذى لم تكف مطاردته بكافة الأشكال منذ بداية إنتشاره.. ترى هل يجب أن نذكر ذلك الغرب الجاحد أنه لولا فضل الإسلام والمسلمين طوال ثمانية قرون تواجدهم فى إسبانيا وغيرها لما عرفت أوروبا الإنتقال من عصر الظلمات المفروض عليها إلى عصر النهضة وعصر التنوير ؟! ويا له من عرفان بالجميل. وحينما نستعرض التمويل المهول لهذه الحرب تحديدا والتى قاربت التسعمائة مليار دولار، وفقا للتقارير الرسمية ، من أجل القتل والهدم ، من أجل السيطرة وفرض المسيحية على العالم ،

 من أجل فرض ديانة لم يعد أحد يجهل إلى أى مدى قد تم إختلاقها عبر المجامع على مر العصور ، ديانة لا علاقة لها بالتعاليم الحقيقية ليسوع ، يظل المرء مذهولا حيال هذا الكمّ من الإجرام الذى يبدو وكأن المجتمع الدولى قد ألفه بارتياح ! ألم يكن أكثر إنسانية إستخدام هذه المبالغ الطائلة لإقتلاع الفقر والأمراض والأوبأة والمجاعات بدلا من إختلاق كل هذا الخراب من أجل التمهيد لتحقيق أساطير أخروية مصطنعة ؟! وإلى كل قادة هذه اللعبة الإجرامية ومعاونيهم، الذين يوصفون زيفا بالديمقراطيون، إلى مجرمى الحرب العنصريين الذين تسببوا فى أبشع المذابح التى عرفتها الأرض ، اإلى هؤلاء المسيحيين الصهاينة الذين آثروا استخدام الأسلحة الذرية المحرمة،

 اطرح السؤال التالى : ترى لو كانت هذه الحرب القذرة التى تدين شرفكم تدور على أراضيكم، هل كنتم ستقبلون أو حتى تتحملون التعرض لمعاناة الحصار أعواما مثلما حصل فى العراق وفى فلسطين، أو أن تروا مبانيكم تتطاير، وأهاليكم وأطفالكم يتفحّمون حتى عظامهم فى آلام لا توصف، واراضيكم تحترق لآلاف السنين ؟! لا بد من وقفة تراجعون فيها ضمائركم – إن كانت هناك ثمة ضمائر .. فقد حان للشرفاء من الرجال أن يتحركوا قبل أن تقتلع تلك النيران الجهنمية كل شئ ..

http://www.brmasr.com/view_columns_article.php?cat=view1&id=8727

الفرنكوفونية .. واقتلاع الهوية العربية الإسلامية

الفرنكوفونية لغة تعني ما يتعلق باللغة الفرنسية في كل استخداماتها الجغرافية. وإنسانياً تعني من يتكلم عادة اللغة الفرنسية بصفة دائمة طبيعية أو على الأقل في بعض الظروف والمناسبات الاجتماعية، سواء كلغة أم، أو كلغة أجنبية ذات طابع مؤسسي أو تعليمي. كما تطلق للإشارة إلى جماعات يتحدثونها في منطقة ما؛ إذ يقال: «المغرب الفرنكوفوني» أو «إفريقيا الفرنكوفونية». وباستثناء فرنسا، صاحبة اللغة التي تنسب إليها؛ فهناك ثلاثة بلدان على حدودها تتحدث بها هي: بلجيكا، ومقاطعة لوكسمبورج، وسويسرا. وقد كانت منطقة فال آوسْطْ بإيطاليا تتحدثها أيضاً؛ إلا أن اللغة الإيطالية قد استعادت مكانتها أيام الفاشية. أما البلدان المتحدثة بالفرنسية خارج هذه المناطق مثال منطقة كيبيك في كندا، أو في المحيط الهندي وجزر الكاريبي وجنوب شرق آسيا وإفريقيا شمالها ووسطها أو الشرق الأوسط فترجع جميعها إلى عهد الاستعمار سواء في موجته الأولى أو الثانية؛

فما أن بدأت موجة الاستعمار الأولى منطلقةً من أسبانيا والبرتغال وهولندا حتى انطلق الاستعمار الفرنسي بدوره بحثاً عن مكان له وسط الغزاة لأسباب اقتصادية وتبشيرية أيضاً. ويبدأ تاريخ اللغة الفرنسية خارج فرنسا مع الحروب الصليبية؛ فمنذ القرن الحادي عشر أصبحت اللغة الفرنسية تمثل منهجاً نفعياً ظل سارياً حتى القرن السابع عشر،

ولعب دوراً أساسياً في التبادلات الاقتصادية بين أوروبا ومدن البحر الأبيض المتوسط، إلا أن المصالح الاستعمارية المتضاربة بين إنجلترا وفرنسا قد كان لها وقعها لوقف الامتداد الفرنسي الذي تحددت أماكنه حتى في الأمريكتين. أما في سوريا ولبنان، وكان التبشير قد سرى فيهما أكثر من غيرهما، فقد انغرست فيهما اللغة الفرنسية واستتبت منذ القرن السابع عشر. ومع تزايد الوجود السياسي المرتبط بالموجة الاستعمارية الثانية (فيما بين 1815 ـ 1939م)؛ فقد أصبحت اللغة الفرنسية بمثابة دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي الذي سرعان ما امتد إلى مصر منذ ذلك الوقت، وبين 1815م امتد الاستعمار الفرنسي إلى إفريقيا تسانده بعثات التبشير ليبدأ بالسنغال، ثم الجزائر عام 1930م حيث أصبحت الفرنسية هي لغة السلطة الحاكمة، ثم تمت السيطرة على الجابون، والكونغو، والسودان، والنيجر، وداهومي، وسرعان ما أخذت اللغة الفرنسية مكانتها المؤسسية في بلدان الساحل وإفريقيا الغربية والاستوائية. وقد وصل اتساع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في عام 1939م إلى مساحة اثني عشر مليوناً من الكيلو مترات، وضمت ثمانية وستين مليوناً من البشر، وكانت تعد ثاني إمبراطورية استعمارية في العالم بعد الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، إلا أنها بدأت تتصدع بفضل حركات التحرير ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية، أما هذه المستعمرات الشاسعة فقد بدأ تكوينها اعتماداً على دعامتين أساسيتين تواكبان الأحداث السياسية والعسكرية وهما: التجارة والبعثات التبشيرية. وكان الوجود التبشيري من القوة في كل هذه المستعمرات حتى بدأ الصراع الديني بين دول الاستعمار ذاتها؛ إذ لم تشأ فرنسا أن تترك السيادة الكاثوليكية في العالم لأسبانيا؛ فقد كانت المستعمرات تمثل أحد الشروط الأساسية للازدهار الاقتصادي الفرنسي. ومنذ أن فقدت فرنسا مكان الصدارة كقوة عظمى في أوروبا انتقلت هذه الزعامة إلى اللغة الفرنسية وآدابها وهو ما يوضح سر تمسك فرنسا بما تبقى لها من مستعمرات، حتى وإن كانت قد تحررت عسكرياً، كما يوضح سر اهتمامها بالجزائر خاصة؛ فمما له مغزاه أن تضع فرنسا احتلال الجزائر تحت إمرة وزير الداخلية الفرنسية، بينما كانت كل من تونس والمغرب تحت إمرة وزير الخارجية الفرنسية. ويرجع تمسك فرنسا بالجزائر حتى يومنا هذا إلى أنها بمثابة المدخل الحيوي الأرضي لمستعمراتها في غرب إفريقيا. أما مصطلح الفرنكوفونية، فقد قام الجغرافي الفرنسي أونيزيم ركلوس Onesume Reclus باشتقاقه عام 1871م، وهو مكون من مقطعين: فرنكو (من فرنسا) وفوني (من صوت)،

ونادراً ما تصادف هذا المصطلح قبل عام 1930م رغم اشتقاقه عام 1871م، إلا أنه أخذ في الانتشار منذ عام 1960م، وقد تم انتشاره عام 1962م عندما بدأت فرنسا إحياء النزعة الأدبية الإفريقية لبعض حكامها كالزعيم سنجور، أو حمامي دوري، أو بورقيبة، أو بعض الحكام الآسيويين كالزعيم سيرمانوك؛ إذ أفردت مجلة إسبري Esprit عدداً خاصاً عن اللغة الفرنسية والمتحدثين بها وآدابهم، وانطلقت الكلمة. كما بدأ تكوين جمعيات وتخصيص اعتمادات لمختلف وسائل الإعلام الفرنسية، وإنشاء الجامعات المتحدثة بالفرنسية أو تلك التي تحتل الفرنسية فيها مكانة واضحة، وإنشاء العديد من المنظمات ومنها منظمة «الأوبلف» عام 1966م، ووكالة التعاون الثقافي والتقني في بلدة ثايومي عام 1969م والتي تضم في عضويتها واحداً وأربعين دولة…

والأمر الذي يوضح مدى أهمية الفرنكوفونية ولواحقها بالنسبة لفرنسا هو قيام الحكومة الفرنسية عام 1984م بإنشاء مجلس أعلى للفرنكوفونية، وفي عام 1988م قامت بإنشاء وزارة للفرنكوفونية. ومنذ 1971م كانت فرنسا قد وحدت كل الكنائس الفرنكوفونية في مستعمراتها السابقة والحالية لتتمكن من التصدي لما يطلقون عليه اليوم: «الديانات غير المسيحية». ويوضح إحصاء عام 1992م أن هناك مائتي مليون وأربعة ملايين نسمة يتحدثون باللغة الفرنسية، أي أن هذه اللغة لم تعد قاصرة على الشعب الفرنسي، بل إن الفرنسيين أنفسهم أصبحوا يمثلون أقلية صغرى بين المتحدثين بلغتهم! ومما تقدم يمكن إدراك مضمون معنى الفرنكوفونية بمردوده المتعدد الجوانب، ومدى ارتباطه بالجانب السياسي الاستعماري، والجانب الثقافي والفرنسي الثقافي، والجانب التبشيري واقتلاع الهوية للشعوب التي تم استعمارها. ولا يتسع المجال هنا لتناول الانعكاسات المؤثرة على اللغة الفرنسية نفسها من حيث التداخلات الواقعة عليها من مختلف اللغات المحلية وتأثير هذه اللغات على المفردات وعلى قواعد اللغة الفرنسية، إلا أن الأمر الواضح حالياً هو تسرب العديد من المفردات الأمريكية والإنجليزية ولهجاتها العامية أو الدارجة، كما لا يسع المجال لتناول مختلف الجوانب المرتبطة بالفرنكوفونية كالجانب السياسي الاستعماري، أو الجانب التبشيري واقتلاع الهوية، رغم أهميته؛ فقد قامت البعثات التبشيرية بالاستعمار لحسابها الشخصي،

بل قامت بما هو أسوأ؛ إذ غزت وأبادت، وصادرت واستولت، وأفسدت واحتلت، وساهمت في اقتلاع هوية العديد من الجماعات الإنسانية؛ كما استغلت نظام العبودية وسلطة النفوذ الكنسي لفرض التنصير الإجباري. ولن نتناول سوى الجانب الثقافي والفرنسي الثقافي؛ إذ إن مصطلح الفرنكوفونية أصبح يتضمن معنى الآلة الحربية التي تساعد على الحفاظ على المستعمرات السابقة بعد أن حصلت على حريتها ولو شكلاً. وإن كان التحرر من الاستعمار يعني مجمل محاولات الشعب الذي تم استعماره للتخلص من نير ذلك الاستعمار وتصفية وجوده العسكري، إلا أنه مرتبط ـ من ناحية أخرى ـ بالجانب الثقافي. ويوضح الكاتب ألبير ممّي في كتابه عن «صورة المستَعْمَر» مختلف المحاور التي تتضمنها عملية التحرير هذه وأهمها المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية إضافة إلى العدالة الاجتماعية. ومن الملاحظ أن مجال الاستثمار يتحول في الواقع إلى استعمار اقتصادي يزيد الهوة بين الطبقات في نفس المجتمع، كما يزيد هذه الهوة بين البلدان الغنية المستعمرة والبلدان الفقيرة التي تم اعتصار خيراتها أو هي لا تزال تنزفها.

ويمثل مجال الثقافة ركيزة من أهم الركائز التي لا يتخلى عنها الاستعمار؛ فعندما تتحرر الشعوب عادةً ما تحاول التحرر من الاستعمار الثقافي أيضاً، وتبدأ عملية البحث في تراثها لتعاود اتصالها وارتباطها بالجذور. وتأكيد الهوية الدينية يمثل جزءاً من تأكيد الذات للشعوب المتحررة من الاستعمار؛ لذلك يحاول المستعمر ويجاهد في عملية التصدي للدين بحكم أن الدين يمثل أكبر قوى يمكنها توحيد صفوف الشعب، وهو ما يوضح من ناحية أخرى، انتشار البعثات التبشيرية وتزايد نشاطها المحموم في المستعمرات السابقة حالياً. والنطق بمجال الثقافة في هذا السياق يتضمن بلا شك ذكر مجال الغرس الثقافي؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة، وقد تم اشتقاق مصطلح الغرس الثقافي منذ 1880م بين علماء الأجناس في أمريكا الشمالية، وإن كان البريطانيون يفضلون عبارة «التبادل الثقافي» التي لا تحمل معاني ترتبط بالاستعمار والتبشير، وكأن هذا «التبادل» يتم بصورة متكافئة!! أما الفرنسيون فيفضلون عبارة «التداخل الثقافي للحضارات» ومن هنا ندرك أن كل هذه العبارات والمسميات ليست إلا تنويعة على مضمون واحد ثابت لا يتغير هو الاستعمار بكل توابعه، إلا أن المصطلح الأمريكي «الغرس الثقافي»

 هو الذي ساد واستقر بكل ما يحمل من غطرسة وفكرة التفوق الغربي الذي عليه أن يسود ولو بالقهر، ولو بالعمد أو الغرس على حد قول المسمى. وسرعان ما تحولت عملية الغرس الثقافي إلى علم له مذاهبه ومناهجه منذ منتصف القرن التاسع عشر وخاصة مع مطلع القرن العشرين؛ وذلك بإنشاء المدرسة المعروفة باسم: (الدوائر الثقافية)، وكيفية اقتلاع ثقافة الحضارات الأم لإحلال ثقافة المستعمر وحضارته، ولهذا المصطلح تاريخه ووضعه الحالي والتخطيط لمستقبله؛ واستعراض تاريخه يوضح كيف أن عملية الغرس الثقافي هذه يمكن أن تتم بصورة شاملة لبلد ما بفضل تبادل الجماعات الدينية والاقتصادية، أو بصورة عدائية مفروضة، أو في شكل صراعات بين الأقليات والشعوب التي تحتضنها. وتبدأ عملية الغرس الثقافي بنوع من الصراع من جانب الثقافات المحلية التي سرعان ما تخضع للضغوط المفروضة بصورة مباشرة عن طريق الاستعمار وتقدم فعاليات الإمبرياليات التجارية والثقافية والتبشيرية، وسهولة التنقل والأسفار وإمكانيات وسائل الإعلام التي تم توظيف غالبيتها لهذه الأغراض؛ فيكفي مثلاً أن تتم عملية تغيير وسائل الإنتاج وتقنيات العمل في دائرة ما حتى ينتقل هذا التغيير إلى المجال الأسري والعلاقات السلطوية والقيم الدينية، ومع فصل ما هو ثقافي عما هو اجتماعي تبدأ عملية الامتصاص للهوية الأصلية. واحتكاك الثقافات لا يتم بين ثقافة وأخرى بصورة مبهمة أو بشكل مجرد، وإنما يتم من خلال أفراد يحملون ثقافات مختلفة،

وهؤلاء الأفراد خاضعون لمراكز اتصال وأجهزة سيطرة ومؤسسات لها قواعدها وعملها ومعاييرها ومنظماتها، اعتماداً على إدخال مفاهيم المستعمر والغرس الثقافي في الإجراءات السياسية والاقتصادية وإدخال مقومات الغرس الثقافي في الكوادر الاجتماعية والقومية والدولية؛ فالتنمية الاقتصادية تتضمن عملية غرس ثقافي تحمل قيم المجتمع الغربي ومعاييره التي يصدرها. ويوضح روجيه باستير في كتابه المعنون: «مشكلات تداخل الحضارات وأعمالها» كيف تتم عملية السيطرة والتخطيط وتوجيه الغرس الثقافي، وكيف تتم كلها من خلال العلوم الاجتماعية التي تتبع متطلبات ومصالح الدول الكبرى، وكيف يعتمد علم الأجناس الاجتماعي حالياً على دراسة كيفية التداخل بين الحضارات حتى يتم الاستعمار بصوره الثقافية الجديدة، لكن لا تتكرر «أخطاء» الماضي التي أدت إلى حركات المطالبة بالتحرر،

وكيف تقوم فرنسا حالياً بعملية الغرس الثقافي المخطط في البلدان التي احتلتها بأن تتم عملية الغرس في اتجاه واحد هو فرض التغريب ومصالح الغرب بواسطة حكام هذه البلدان وبواسطة أصحاب القرار فيها، وبأن تستعين بنظريات علمية تخدم مصالحها حتى من خلال استعمال مصطلحات جديدة، ثم يوضح أن هذه الاستراتيجية تعتمد على أن كل ثقافة مكونة من عدة ملامح ثقافية، وهذه الملامح مرتبطة بشبكة تقوم بالربط بينها، وأن المجال الثقافي يسيطر على المجال الاجتماعي من خلال تبديل القيم والمفاهيم والعادات التراثية حتى يمكن تعديل المؤسسات والبنيات والتصرفات الآدمية.

 كما تقوم بخلق احتياجات جديدة وخاصة بخلق كوادر جديدة لكي تتم عملية التغيير بأفراد من الداخل وهي نفس الفكرة التي كان المستشرق زويمر قد قالها في مطلع القرن الماضي بأن الإسلام لن يُقتلع إلا بأيدي مسلمين من الداخل. ويؤكد روجيه باستير في هذا الصدد قائلاً: «إن الغرس الثقافي المخطط الذي تقوده سياسياً الجماعات المسيطرة يعد بمثابة القانون العام لعصرنا الحالي». ومما تقدم ندرك أن اللغة الفرنسية دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي الفرنسي؛ وأن الاستعمار السياسي والاقتصادي والتبشير قائم على اللغة التي هي هنا الفرنكوفونية؛ وأن فرنسا تتزعم فرض الكاثوليكية رغم زعمها العلمانية وفصل الدين عن الدولة؛ وأن إحياء النزعة الأدبية الإفريقية والزنجية باللغة الفرنسية هو نوع من الاستدراج لتثبيت الفرنكوفونية، وقد بدأت بتشجيع بعض الحكام والزعماء ليكونوا قدوة لشعوبهم؛

وإنشاء ترسانة من الجامعات الفرنسية خارج أراضيها والخاضعة لنفوذها مثل «جامعة سنجور» بالإسكندرية، وإنشاء منظمات ووكالات لتدعيمها؛ وإن تتويج هذه الترسانة بمجلس أعلى ثم بوزارة بأسرها لدليل صارخ على معنى الفرنكوفونية ومغزاها وأهدافها. وإن التداخل الواضح بين الفرنكوفونية والاستعمار والغرس الثقافي المخطط والتبشير ليس بحاجة إلى مزيد من الأدلة؛ وليس من المبالغ فيه تعريف الفرنكوفونية بأنها بمثابة الآلة الحربية التي تساعد فرنسا على الاحتفاظ بمستعمراتها؛ فإن الاستعمار لا يتخلى أبداً عن المجال الثقافي حتى وإن تخلى عن الأرض المحتلة، وإنه يتصدى للدين على أنه أكبر قوى يمكنها تجميع الشعب أو الشعوب، وهو ما تراه يتم حالياً بصورة علنية أو شبه علنية من حيث محاولة اقتلاع الإسلام بفعل مخطط الفرنكوفونية من جهة، وبفعل القرار الذي تم اتخاذه في المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965م لاقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم. فإذا ما تذكرنا أن معظم البلدان التي احتلتها فرنسا بلدان إسلامية أو وثنية، وأن الوثنية لا تعنيها في كثير أو قليل؛ لأنها

 تقوم بتنصير أتباعها بشتى الوسائل، لأدركنا خلفيات كثيرة غائبة أو مغيبة، لأدركنا ضرورة وأهمية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية والعدالة الاجتماعية، لأدركنا أهمية وضرورة أن نتمسك بإسلامنا، وألا نعاون على اقتلاعه عن المنبع كما يتم حالياً بشتى المسميات، وخاصة ضرورة المطالبة بأن يقتصر تعليم اللغة الفرنسية بحيث تظل لغة تعامل إنساني متكافئ المستويات، والأكثر أهمية من هذا وذاك: أن نكف عن تنفيذ مخططات الفرنكوفونية بأيدينا.

http://www.dr-z-abdelaziz.com

التنصير عالم خطير لا نرى منه إلا القليل

الأربعاء, 04 فبراير 2009 09:31

     

د. زينب عبد العزيز –

 ذبحوني لأنني قلت كلمة الحق في مؤتمر السكان وفي مؤتمر المرأة. – الفاتيكان يتحالف مع المخابرات الغربية لضرب الإسلام. – فرنسا تتحمل ثلثي ميزانية التنصير ثمن ريادتها للعلمانية. – العولمة والكوكبية والقرية الواحدة أكاذيب لفرض النموذج الغربي علينا. – المستشرقون عقبة أمام انتشار الإسلام في أوروبا وأمريكا. – قضية المرأة لعبة يلعبها الغرب ونحن ننساق وراءها. حاورتها / د. ليلى بيومي رغم أن مجال تخصصها هو اللغة الفرنسية كأستاذة لها وللحضارة بجامعة المنوفية، إلا أنها وجهت اهتمامها بشكل كبير منذ ربع قرن لموضوع محدد وهو موقف الغرب من الإسلام، وذلك بعدما توفر لديها معلومات وترجمات تؤكد التواطؤ الغربي بين المستشرقين على تزييف الحقائق المتعلقة بالإسلام.

وفوق هذا قدمت د. زينب عبد العزيز ترجمة شديدة الأهمية لمعاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية. وعن هذه الاهتمامات المتعددة التقينا بها وحاورناها. مؤتمرات وخطط التبشير، يتحدث عنها البعض على أنها مبالغة، وقد يضخم البعض الآخر من وجودها .. لكن ماذا عن الحجم الحقيقي لها؟ وكيف تعمل؟ ومن الذي يمولها؟ الواقع المعاش يؤكد أننا حيال خطة خطيرة، نحن لا نتحدث عنها من خيالنا ولكن القوم نشروها وأعلنوها ويتحدثون عنها صراحة فكيف نقول إنها مبالغ فيها؟. إننا بالتحديد أمام خط خمسية وهذا عنوان موجود في الخطاب الرسولي أو الإرشادي الذي يصدره الباب وهو ملزم لكل الحكام والرؤساء والملوك المسيحيين ولكل الكنائس على اختلافها. ومنذ بداية التسعينات أصدر البابا خطابًا يقول فيه إنه يريد أن ينصر العالم في الفترة من 1995 حتى عام 2000 وحدد هذا التاريخ بدقة فقال إن الفترة من 1995 حتى 1997 عامان تمهيديان، ثم يتبعهما عام الاحتفال بالسيد المسيح ثم في الاحتفال الآخر عام 2000 يقام قربان كبير احتفالاً بتنصير العالم كله.

وفي هذا الخطاب أشار البابا إلى أنه يريد إحياء خط سير العائلة المقدسة وللأسف نرى أن هذا تم تنفيذه، حيث قامت وزارة السياحة في مصر مثلاً بإعداد مثل هذه الخرائط بغفلة لأننا لا نعلم ما يراد لنا. إن القوم يريدون أن ننفذ مخططهم بأيدينا، وهذا هو الذي قالوه في مؤتمر تنصير العالم الذي عقد في كلورادو عام 1987 والذي قالوا فيه إن الإسلام لابد أن يضرب بأيدي أبنائه وأن يضرب من الداخل. وإحياء مسيرة العائلة المقدسة يأتي ضمن خطط البابا لتنصير المسلمين، فهو يريد أن يصبح هذا الخط جزءًا من الواقع المسيحي. ففي عام 1965 عقد المجمع الفاتيكاني الثاني وهو الذي برءوا فيه اليهود من قتل المسيح، وفي هذا المجمع خططوا لثلاثة أشياء رئيسية والتنفيذ يتم الآن، وهذه الأشياء الثلاثة هي: اقتلاع اليسار واقتلاع الإسلام وتنصير العالم. وفي هذا المجمع قرر المجتمعون توصيل الإنجيل لكل البشر وهي عبارة المقصود بها تنصير العالم، وقد أعلنها البابا صراحة في سنتياجو عام 1982 وقد خطط القوم لاقتلاع اليسار لأنه البديل عن الرأسمالية من الناحية السياسية فكانت كل الأنظمة التي تكفر بالرأسمالية تتجه ناحية اليسار ..

لكنهم لا يريدون بدائل. إن الكنيسة خططت ليكون العقد الأخير من القرن العشرين لاقتلاع الإسلام وتنصير العالم، ونحن اليوم نقرأ عن المليارات الكثيرة التي أنفقت من أجل اقتلاع اليسار وتفكيك الاتحاد السوفيتي، والمأساة أن الفاتيكان تواطأ مع المخابرات الأمريكية لأن مصلحتهم واحدة، فكان هناك تنسيق، ولأول مرة تتحد السلطة الدينية (الكنيسة) مع السلطة المدنية في سبيل تحقيق مصلحة مشتركة وهي اقتلاع اليسار واقتلاع الإسلام. إن عالم التبشير عالم خطير لا نكاد نرى منه إلا أقل القليل، والمساهمات فيه معروفة بل إن على فرنسا أن تمول ثلثي هذه الميزانية وحدها، وإسهام الولايات المتحدة والمؤسسات الأمريكية والغربية متعدد والأرقام فلكية، وبالتالي فمؤسسات التبشير شبكة معقدة للغاية وحقيقية وليس فيها مبالغة، بل هي أكبر مما يعلنون عنه وهي تقصد العالم الإسلامي كله وتتحايل لتنصيره بمختلف الوسائل الممكنة. الخطاب الديني الرسمي لدينا يركز على ضرورة التعاون والتوحد مع الكنائس الغربية في سبيل المحبة، بينما نلاحظ أن هذه الكنائس ما زالت مستمرة في التنصير في العالم الإسلامي ..

كيف ترين هذا التناقض؟ من خلال أبحاث المتخصصين لديهم ثبت لهم أن القرآن حق، وقد ألف الطبيب الفرنسي بوريس بوكاي كتابًا عن “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم” أثبت فيه أن كافة المعطيات الواردة في العهدين القديم والحديث تتعارض كلها مع العلم، ولا يوجد فيها معطى واحد يصمد أمام التحليل العلمي، في حين أن القرآن يصمد كل حرف فيه أمام التحليل العلمي بل وردت فيه أشياء لم يكن العلم قد توصل إليها. وثبت أن الكنيسة تحارب الإسلام ومستمرة في هذه الحرب، وهي حرب صليبية بشعة وقد سبوا الإسلام كثيرًا ولكنهم وجدوا أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا بهذا السباب. ورغم الترجمات المحرفة للقرآن وجدوا أن الناس يسلمون عندهم حينما تصل إليهم الأجزاء غير المحرفة، وبالتالي لم يفلح التزييف والتحريف. والعالم الغربي الذي كان قسيسًا وهو بونت مان، وهو ضليع في اللغة، أثبت بالتحليل اللغوي الظاهري لنصوص الكتاب المقدس وجود تعارض بين النصوص يثبت التحريف ويثبت أن هذه الأشياء التي ورد ذكرها في الأناجيل لم تكن موجودة عند كتابة الأناجيل. أما في القرآن فالكلمة والمعنى والجوهر سليم ولم يمسسه أي عبث،

وبالتالي فإن استمرار الكنائس في التنصير لكي يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا يوقف هذا التدهور، أما المسئولون لدينا فلديهم نقص في الوعي والإدراك. نلاحظ في هذه الفترة شيوع دعوات تحمل سمات البراءة والتعاون بين الشعوب مثل العولمة والكوكبية والقرية الواحدة .. الخ، لكنها في نهاية الأمر تخفي نوعًا من سيطرة الاتجاه الواحد والثقافة الواحدة والدين الواحد.. ما هي رؤيتكم لهذه القضية؟ إنهم يلعبون بنقطة خطيرة وهي الحوار بين الأديان، فالحوار بالنسبة لهم يعني فرض الارتداد والدخول في سر المسيح، وليس المقصود من الحوار هو الوصول إلى الحق. إننا لو ناقشنا القوم فلن نجد عندهم شيئًا، وهم يعلمون ذلك ومن أجله يحاولون أن يوهمونا بأننا قرية واحدة، ونحن جيران، ولابد أن نعيش في حب وأمان، ولابد من التسامح والتآخي. والغريب أن المثقفين عندنا يرددون نفس الكلام الذي يردده الغرب إما عن جهل وغفلة وعدم مبالاة أو عن تعتيم فرض علينا جميعًا ويشارك مثقفونا في تدعيمه.

إن العولمة والكوكبية المقصود بهما إلحاقنا بالغرب، فحينما نصبح قرية واحدة ستكون اللغة لغتهم والدين دينهم والثقافة ثقافتهم والمصلحة مصلحتهم ونحن مجرد رعاع لا قيمة لنا وإنما نساق كالقطيع فقط. هناك محاولة لتبرئة المستشرقين وإظهارهم كأصحاب علم وفكر، بينما هاجمهم كثير من المصنفين وقالوا إن الاستشراق خادم للكنيسة وأهدافها وليس بريئًا… ما هو رأيك في هذه القضية ؟ لم أجد مستشرقًا واحدًا خلا كلامه من الدس والتشويش، ولقد تتبعت المستشرق جاك بيرك الفرنسي وأظهرت عيوب وخطايا ترجمته للقرآن، وفي رأيي أن نفس الشيء فعله روجيه جارودي فقد أسلم ليهدم الإسلام من الداخل. وصحيح أنهم قدما خدمات لتراثنا بلا شك، لكن ضررهم أكبر من نفعهم لأن كل ضررهم في تشويه الحقائق يبنى عليه ويؤخذ على أنه حقائق مع مرور الوقت. إن المستشرقين كلهم يعملون ضمن برنامج واحد لضرب الإسلام، والإنسان الأوروبي الذي يدخل الإسلام وهو لا يعرف اللغة العربية تقام بينه وبين معرفة الحق حواجز كبيرة جدًا حينما يعتمد على كتب المستشرقين التي تشوه كل شيء في الإسلام. بل إن هذه الكتب تقف حاجزًا دون إسلام أعداد هائلة من الأوروبيين. ويبقى علينا أن نقتحم هذه الحواجز ونقدم الإسلام لكل دول العالم بلغاتها ومن خلالنا نحن. ما رأيك في الترجمات الفرنسية لمعاني القرآن الكريم؟

وما تقييمك للذين كتبوها؟ قلت قبل ذلك إن كل المستشرقين يعملون تحت هدف واحد وهو ضرب الإسلام بالإضافة إلى ما يواجهونه من مشكلات اللغة العربية. فلغة القرآن صعبة حتى على أهلها فما بالنا بصعوبتها على المستشرقين. فالمستشرق لكي يقدم عملاً جيدًا وخاصة في ترجمة معاني القرآن لابد أن يكون قارئًا جيدًا للتفاسير وعنده النية لأن يفهم، وليست النية لأن يخطئ. إن جذر الكلمة العربية يمكن أن يحتوي على 11 معنى ليس لهم علاقة ببعضهم، وقد يكون المستشرق لديه معرفة ببعضها لكنه لا يعرف الباقي، كما أن هناك تراكيب القرآن، فمثلاً {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} كل المستشرقين فسروها تفسيرًا حرفيًا وليس تفسيرًا للتركيب اللغوي ككل، ففعلوا مثل الذي ترجم القول الشهير “فلان وأخذ قلم في نفسه” He Took a Pencil on himself ولم يترجمها بأنه مغرور مثلاً.

 والمستشرقون لا يفهمون تراكيب القرآن لعدم تمكنهم من اللغة العربية، وهناك ترجمات عديدة لمعاني القرآن بالفرنسية ولدى منها 17 ترجمة كلها ترجمات بالتحريف والتشويه والأخطاء، وأشهرها ترجمة جاك بيرك المستشرق الفرنسي وقد ذاع صيته في العالم العربي على أنه صديق العرب وهذا غير حقيقي. وخطورة ترجمة جاك بيرك في الستة ملايين مسلم فرنسي الذين لا يعرفون العربية ويقرءون هذه الترجمة المشوهة. هل فكرت في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية لتقدمي ترجمة دقيقة وغير مشوهة؟ وما هي المشكلات التي تواجهك في ذلك ؟ فكرت بجدية في الموضوع وهو موضوع صعب ودرست الترجمات الموجودة ، وراودتني الخواطر لأبدأ في إعداد هذا العمل خالياً من الأخطاء، والمشكلات كانت كثيرة، منها الاختلافات بين المفسرين في تفسير كثير من الآيات، فكيف سيتم حسم هذه المشكلة؟ بالإضافة إلى عدم وجو المعنى الدقيق المرادف للمعنى العربي في كثير من الأحيان، فنقل المعنى هنا مثل الذي ينقل بحر في بحيرة، كما أن هناك منهجاً معيناً للتعامل مع الآيات التي فيها إشارات علمية، بالإضافة إلى المشكلات التي ذكرناها قبل ذلك مثل مشكلة تراكيب القرآن وحروف القرآن وتعدد المعنى للجذر الواحد .. الخ.

 ولكن بعد أن انتهت أعمال اللجنة الخاصة بدراسة ترجمة “جاك بيرك ” ولإحساسي بمدى خطورة الترجمات المقدمة لمعاني القرآن من غير المسلمين قررت التفرغ لإعداد ترجمة إلى الفرنسية، ووفقني الله سبحانه وتعالى، وانتهيت منها، واستغرقت مني ثماني سنوات بواقع خمس عشرة ساعة عمل يوميا، واستعنت فيها بأستاذ أصول فقه من جامعة الأزهر ليشرح لي كل أسبوع حوالي 5 صفحات، حتى تأتي ترجمتي لمعاني القرآن الكريم إلى الفرنسية على وجه الدقة والأمانة، ولتكون نقطة فارقة في تاريخ هذه التراجم, وتأتي سليمة لغويا ونزيهة علميا وموضوعية. تنقل المعنى الكريم في ثوبه الحقيقي، وحاولت في هذه الترجمة التعريف بالقرآن وبالإسلام لغير المسلمين، وأن تكون خطوة للتصدي لمحاولات تشويه الإسلام، وتصويب صورته لدى الغرب والدفاع عن نسيج الأمة الإسلامية. عرفنا فرنسا تاريخيًا على أنها تركز على الجانب الثقافي في علاقتها بالأمم، فلماذا هذا التركيز؟ وهل هذا الاهتمام الثقافي اهتمام بريء؟.

 هذا الاهتمام الثقافي ليس اهتمامًا لوجه الله وإنما هو اهتمام لتفرض من خلاله فرنسا حضارتها وسيطرتها. إن فرنسا تعلن أنها دولة علمانية فصلت الدين عن الدولة ومقابل إعلانها هذا تتحمل ثلثي تكاليف وميزانية عملية التنصير، وهذا كلام ثابت وموجود ومنشور، وفرنسا حينما تهتم بالثقافة في علاقتها مع الشعوب إنما تدخل الدين في هذه العلاقة ولكن بطريقة غير مباشرة وغير محسوسة، وهذا نوع من أنواع الذكاء الاستعماري. إن كل دول العالم تعرف أن الاستعمار المباشر انتهى لذلك يلجئون كلهم إلى الاستعمار الثقافي وفرض التغريب لدرجة أن كثيرًا من الأمناء في الغرب يرفضون التغريب ويقولون بالتكامل بدلاً من السيطرة. تحاول فرنسا أن تقوم بدور الدولة المستقلة عن الفلك الأمريكي وتحاول قيادة أوروبا وتتحدث عن القضايا العربية. هل هذا حقيقي أم مجرد مناورات لإيهامنا والضحك علينا؟ فرنسا لا تدعم مصالحنا بل تدعم مصالحها هي، فتاريخيًا فرنسا احتلت حوالي نصف العالم العربي، وقبل ذلك كانت حملة نابليون، وساندت إسرائيل منذ إنشائها عام 1948 ، بل اشتركت بشكل مباشر في ضرب مصر عام 1956، وتدعم بشكل رئيسي إسرائيل. إننا سمعنا مؤخرًا عن بعثة فرنسية لانتشال آثارنا الغارقة في مياهنا الإقليمية أمام الإسكندرية، والملاحظ أن هذه الآثار لم تكن مبان وانهارت في المياه، بل هي آثار منقولة وغرقت على مسافة كبيرة عن الإسكندرية.

إن أحدًا لم يفتح فمه ويعلن الحقيقة، والحقيقة أن نابليون كان قد سرق هذه الآثار وأعد لنقلها إلى باريس لتنضم إلى ما نهبه من كنوز من كل أنحاء العالم التي هي الآن في متحف اللوفر، لكن الأسطول الإنجليزي دمر الأسطول الفرنسي وأغرقه وغرقت الآثار. الدعوة إلى ثقافة البحر الأبيض المتوسط ما تلبث أن تهدأ حتى يروج لها من جديد، فهي تأخذ شكل الحوار بين الشمال والجنوب حينًا، وحينًا آخر شكل الشراكة الأوروبية العربية، وحينًا ثالثًا تأخذ شكل الحوار العربي الأوروبي… فهل هذه الدعوات بديلة عن التجمع على أساس عربي أو إسلامي؟ بالتأكيد هي دعوات غير بريئة، والمقصود بها الالتفاف حول أي دعوة لتلاقي البلاد العربية على أرضية عربية أو إسلامية. إن أوروبا وأمريكا نفذوا في عقد التسعينات قرارات مجمع الفاتيكان عام 1965 في الشق الخاص باقتلاع الإسلام وتنصير العالم، وقد قال البابا في أحد اجتماعاته مع الكرادلة: لقد نجحت في أن أجعلهم يجلسون معنا والدور عليكم لتنصرونهم. هم يدعون للحوار ويقولون فلنجلس معًا لنصلي كل حسب دينه ثم تكون الخطوة اللاحقة فلنصل بنص واحد.

إنهم يتفننون في موضوع الحوار ويريدون استدراجنا بكل الطرق وإجراء عمليات غسيل المخ لنا حتى نؤمن بكل المفاهيم الغربية، وهم يغلفون الدعوة للحوار ببعض الأغلفة الاقتصادية التي تعطي للقضية بعدًا اقتصاديًا، لذلك تفشل كل هذه الدعوات لأنهم لا يريدون مساعدتنا أو حتى الدخول في شراكة عادلة، وإنما يريدون أن يكونوا هم الطرف المسيطر الآمر الذي يحتفظ بكل الخيوط في يديه. إنهم رغم ما فعلته تركيا من بعد عن الإسلام ونبذ للغة العربية لا يوافقون على انضمامها للسوق الأوروبية فهم لا ينسون أنها مسلمة. جامعة سنجور التي أنشئت في مصر واتخذت من الإسكندرية مقرًا لها، أثارت العديد من علامات الاستفهام، فهل اختيار الإسكندرية هو لإحياء مقولة الشرق أوسطية؟ ولماذا مصر رغم أنها لا تتكلم الفرنسية؟ أم أن هذه الجامعة أنشئت لضرب الجامعة الأمريكية في مصر في إطار الصراع القائم والمشتعل بين الثقافة الأمريكية والثقافة الفرنسية؟ لسنا في حاجة للتأكيد على أن مصر هي ملتقى حضارات وشعوب وقارات، وذات موقع استراتيجي، والفرنسيون يهمهم وضع أرجلهم في مصر. والفرنسيون احتفلوا بذكرى مرور مائتي عام على خروج الحملة الفرنسية من مصر عام 1801. إننا لا ننسى أن نابليون كان آتيًا لضرب الإسلام ولاحتلال مصر، ومن يومها والمعركة موجودة .

إنهم يريدون إيهامنا بأشياء شكلية غير حقيقية وهي أنهم أحضروا إلينا المطبعة ووضعوا أقدامنا على سلم الحضارة، إنما في الحقيقة كان قدومهم هو عملية كبرى للسلب والنهب والاحتلال. وهم يريدون رد الاعتبار لأنفسهم ويريدون أن يقولوا لنا لقد احتفلنا بأننا استطعنا رغم مرور 200 سنة أن نجعلكم متخلفين حضاريًا. هل تعتقدين أن المرأة المصرية والعربية لها قضية ومشكلات تستدعي أن يكون لها جمعيات تدافع عنها؟ وما رأيك في الذين يرفعون شعارات حرية المرأة وقضايا المرأة في بلادنا؟ لعبة المرأة لعبة يلعبها الغرب وللأسف أكبر سلبية في بلادنا أننا ننساق وراء الغرب، ومأساتنا الحقيقية هي أننا لا نختار طريقًا واضحًا. ولقد شاركت في مؤتمر الأمم المتحدة للسكان الذي عقد في القاهرة ثم في مؤتمر المرأة في بكين ضمن وفد مصر وقدمت أبحاثًا وكتبت عن المؤتمرين ولكن للأسف الشديد ذبحت من أجل الذي قلته وكتبته، إنهم يريدون أن نردد ما نسمع كالببغاوات. إن المرأة المصرية لو عندها مشكلات فهي من نوعية المشكلات العادية ولكن ليست لها قضية، فليست قضية أن أجعل المرأة تحكم أو لا تحكم. إنهم في الغرب يشوهون الأمور ويشوهون الحقائق ويقولون إن الإسلام يهين المرأة والحقيقة أن المرأة لم يكرمها دين مثلما كرمها الإسلام، ويطالبون بمساواتها في الميراث بالرجل. وأنا أقول بل النصف كثير على المرأة لأنها ليست ملزمة بأي إنفاق، الرجل هو الملزم بالإنفاق على زوجته وابنته وأمه وأخته، والمرأة تأخذ نصف الرجل لزينتها جاهزًا. إن عيب رموز تحرير المرأة في بلادنا أنهم وضعوا أنفسهم في مواجهة الإسلام، إنهم في مؤتمر السكان في القاهرة وفي مؤتمر المرأة في بكين يريدون أن ينشروا الفواحش وأن يقولوا من أراد أن يصبح رجلاً فله ذلك ومن أراد أن يصبح امرأة فله ذلك وضرورة إباحة العلاقات الجنسية .. الخ. كل هذا ونحن نصفق ونؤيد ونشيد بالمؤتمرات، ومن ينطق بكلمة الحق يذبح كما فعلوا معي.

http://www.dr-z-abdelaziz.com

إبادة النصوص وبدعة تأليه يسوع

بقلم / الدكتورة زينب عبد العزيز

 

 

أستاذة الحضارة الفرنسية

 

يقول توني باشبى في كتابه ” تحريف الكتاب المقدس : ” إن دراسته لنسخة الكتاب المقدس المعروفة باسم ” كودكس سيناي ” (codex Sinai)، وهى أقدم نسخة معروفة للكتاب المقدس والتي تم اكتشافها في سيناء ، و قال : إنها ترجع للقرن الرابع ، أثبتت له أن هناك 14800 اختلاف بينها وبين النسخة الحالية للكتاب المقدس ، وهو ما يثبت كم التغيير والتبديل الذي يعانى منه هذا الكتاب .

 

ويؤكد الباحث أنه لا يمكن لأحد أن يعرف حقيقة ما كانت عليه نصوص ذلك الكتاب الأصلية من كثرة ما ألمّ بها من تغيير وتحريف ، وتكفي الإشارة إلى أنه في عام 1415 قامت كنيسة روما بحرق كل ما تضمنه كتابين من القرن الثاني من الكتب العبرية ، يقال : إنها كانت تضم الاسم الحقيقي ليسوع المسيح ، وقام البابا بنديكت الثالث عشر بإعدام بحث لاتيني بعنوان ” مار يسوع ” ، ثم أمر بإعدام كل نسخ إصحاح إلكسايElxai )  ) ، وكان يتضمن تفاصيل عن حياة يسوع.

 

وبعد ذلك قام البابا إسكندر السادس بإعدام كل نسخ التلمود بواسطة رئيس محكمة التفتيش الإسبانية توما توركمادا (1420-1498) ، المسؤول عن إعدام 6000 مخطوطة في مدينة سلمنكا وحدها ، كما قام سلمون رومانو عام 1554 بحرق آلاف المخطوطات العبرية ، وفى عام 1559 تمت مصادرة كافة المخطوطات العبرية في مدينة براغ ، وتضمنت عملية إعدام هذه الكتب العبرية مئات النسخ من العهد القديم ـ مما تسبب في ضياع العديد من الأصول والوثائق التي تخالف أو تفضح أفعال المؤسسة الكنسية آنذاك !

 

ويقول تونى باشبى : إن أقدم نسخة أنقذت للعهد القديم ـ قبل اكتشاف مخطوطات قمران ، هي النسخة المعروفة باسم ” البودليان ” ( Bodleian ) التي ترجع إلى علم 1100 م . وفى محاولة لمحو أية معلومات عبرية عن يسوع من الوجود ، أحرقت محاكم التفتيش 12000 نسخة من التلمود ! .

 

ويوضح المؤلف أنه في عام 1607 عكف سبعة وأربعون شخصا ، ويقول البعض 54 ، لمدة عامين وتسعة أشهر لترجمة الكتاب المقدس بالإنجليزية وتجهيزه للطباعة بأمر من الملك جيمس ، بناء على مراعاة قواعد معينة في  الترجمة ، وعند تقديمها عام 1609 للملك جيمس قدمها بدوره إلى سير فرانسيس بيكون ، الذي راح يراجع صياغتها لمدة عام تقريبا قبل طباعتها .

 

ويقول تونى باشبى : إن العديد من الناس يتصورون أن طبعة الملك جيمس هي ” أصل ” الكتاب المقدس ، وأن كل ما أتى بعدها يتضمن تعديلات اختلقها النقاد ، إلا أن واقع الأمر هو : ” أن النص اليوناني الذي استخدم في الترجمة الإنجليزية ، والذي يعتبره الكثيرون نصا أصليا ، لم يُكتب إلا في حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي ، وكانت نسخة منقولة ومنقحة عن نسخ متراكمة سابقة مكتوبة بالعبرية والآرامية ، وقد تم حرق كل هذه النسخ ، والنسخة الحالية للملك جيمس منقولة أصلا عن نَسخ من خمس نَسخات لغوية عن النص الأصلي الذي لا نعرف عنه أي شيء ” !!

 

ففي بداية القرن الثالث تدخلت السياسة بصورة ملحوظة في مسار المسيحية التي كانت تشق طريقها بين الفِرق المتناحرة ، فوفقا للقس ألبيوس تيودوريه ، حوالي عام 225 م ، كانت هناك أكثر من مائتي نسخة مختلفة من الأناجيل تستخدم في نفس الوقت بين تلك الفرق ..  

 

وعندما استولى قسطنطين على الشرق الإمبراطوري عام 324 م ، أرسل مستشاره الديني القس أوسبيوس القرطبي إلى الإسكندرية ، ومعه عدة خطابات للأساقفة ، يرجوهم التصالح فيما بينهم حول العقيدة ، وهو ما يكشف عن الخلافات العقائدية التي كانت سائدة آنذاك ، إلا أن مهمة أوسبيوس قد باءت بالفشل ، مما دفع بقسطنطين إلى دعوة جميع الأساقفة للحضور ، وأن يُحضروا معهم نسخهم من الأناجيل التي يتعاملون بها ، وبذلك انعقد أول مجمع كنسي عام سنة 325 م في مدينة نيقية لحسم الخلافات السائدة حول تأليه أو عدم تأليه يسوع !  

 

وفى 21 يونيو عام 325 م اجتمع 2048 كنسيا في مدينة نيقية لتحديد معالم المسيحية الرسمية ، وما هي النصوص التي يجب الاحتفاظ بها ، ومن هو الإله الذى يتعيّن عليهم اتباعه ، ويقول تونى باشبى : ” إن أولى محاولات اختيار الإله ترجع إلى حوالي عام 210 م ، حينما كان يتعيّن على الإمبراطور الاختيار ما بين يهوذا المسيح أو شقيقه التوأم  يسوع ، أي الكاهن يسوع أو الشخص الآخر ، مؤكدا أنه حتى عام 325 لم يكن للمسيحية إله رسمي ” !!

 

ويوضح تونى باشبى أنه بعد مداولات عدة ومريرة استقر الرأي بالإجماع، إذ أيده 161 واعترض عليه 157 ، أن يصبح الاثنان إلها واحدا  ، وبذلك قام الإمبراطور بدمج معطيات التوأم يهوذا ويسوع ليصبحا إلها واحدا ، وبذلك أقيم الاحتفال بتأليههما ، ثم بدأت عملية الدمج بينهما ليصلوا إلى تركيبة “ربنا يسوع المسيح “  وطلب قسطنطين من الأسقف أوسبيوس أن يجمع ما يتوافق من مختلف الأناجيل ليجعل منها كتابا واحدا ، ويُعمل منه خمسون نسخة ” ..

ولمن يتساءل عن مرجعيات توني باشبى لهذا البحث نقول : إنه وارد بالفهرس كشفا يتضمن 869 مرجعا !..

 

ويعد الباحث والأديب البريطانى جيرالد ماسىّ (1828ـ1907) من أهم من استطاعوا توضيح خلفية ذلك الخلط الشديد في الأصول ، وشرح كيف أن القائمين على المسيحية الأولى جمعوا عقائد دينية من أهم البلدان التي تواجدوا  بها، لتسهيل عملية دمج شعوبها تحت لواء ما ينسجون ..

 

ويتناول جيرالد ماسىّ في كتابه عن يسوع التاريخي والمسيح الأسطوري كيف ” أن الأصل المسيحي في العهد الجديد عبارة عن تحريف قائم على أسطورة خرافية في العهد القديم ” .

 وأن هذا الأصل المسيحي منقول بكامله من العقائد المصرية القديمة ، وتم تركيبه على شخص يسوع ، ونفس هذا الشخص عبارة عن توليفة من عدة شخصيات ، والمساحة الأكبر مأخوذة عن شخصين ، وهو ما أثبته العديد من العلماء منذ عصر التنوير ، وقد تزايد هذا الخط في القرن العشرين بصورة شبه جماعية ، بحيث إنه بات من الأمور المسلّم بها بين كافة العلماء .

وإن كانت الوثائق التي تشير أو تضم معطيات يسوع التاريخي متعددة المشرب ، وتؤدي إلى أكثر من خط ، فإن المعطيات التي تتعلق بالمسيح مأخوذة بكلها تقريبا من الديانة المصرية القديمة ، وكلها منقوشة على جدران المعابد الفرعونية وخاصة معبد الأقصر الذي شيده أمنحتب الثالث ، من الأسرة السابعة عشر، ويقول ماسىّ : ” إن هذه المناظر التي كانت تعد أسطورية في مصر القديمة، قد تم نقلها على أنها تاريخية في الأناجيل المعتمدة ، حيث تحتل مكانة كحجر الأساس للبنية التاريخية ، وتثبت أن الأسس التي أقيمت عليها المسيحية هي أسس أسطورية “.

 

ويشير جيرالد ماسيّ إلى أن المسيحية مبنية على الديانات والعقائد التي كانت قائمة في مصر وفلسطين وبين النهرين ، والتي انتقل الكثير منها إلى اليونان ، ومنها إلى إيطاليا ، أي ” أنها أسطورة إلهية لإله تم تجميعه من عدة آلهة وثنية ، هي الآلهة الأساسية التي كانت سائدة آنذاك في تلك المناطق قبل يسوع بآلاف السنين.. وأن التاريخ في الأناجيل من البداية حتى النهاية هو قصة الإله الشمس ، وقصة المسيح الغنوصي الذي لا يمكن أن يكون بشرا .

 

 فالمسيح الأسطوري هو حورس في أسطورة أوزيريس ، وحور أختي في أسطورة ست ، وخونسو في أسطورة آمون رع ، وإيو في عبادة أتوم رع ، والمسيح في الأناجيل المعتمدة هو خليط من هذه الآلهة المختلفة “.

 

وقد أشار ديودورس الصقلي إلى أن كل أسطورة العالم السفلي قد تم صياغتها دراميا فى اليونان بعد أن تم نقلها من الطقوس الجنائزية المصرية القديمة ، أي أنها انتقلت من مصر إلى اليونان ومنها إلى روما.

 

ويؤكد جيرالد ماسيّ ” أن الأناجيل المعتمدة عبارة عن رجيع ( أو طبخ بائت مسخّن ) للنصوص المصرية القديمة ” .. ثم يوجز أهم الملامح بين الأساطير المصرية القديمة والأناجيل المعتمدة بإسهاب يصعب تفنيده ، ومما أوجده من روابط ، بين المسيحية والعقائد المصرية القديمة : ” أن يسوع حَمَل الله ، ويسوع السمكة ( إيختيس ) كان مصريا ، وكذلك يسوع المنتظر أو الذي سوف يعود ، ويسوع المولود من أم عذراء ، التي ظللها الروح القدس ، ويسوع المولود في مِزْود ، ويسوع الذي قام بتحيته ثلاثة ملوك مجوس ، ويسوع الذي تبدل على الجبل ، ويسوع الذي كان رمزه في المقابر القديمة في روما نجمة مثمنة الأضلاع، ويسوع الطفل الدائم ، ويسوع الآب ، المولود كابن نفسه ، ويسوع الطفل ذو الاثني عشر عاما ، ويسوع الممسوح ذو الثلاثين عاما ، وتعميد يسوع ، ويسوع الذي يسير على الماء أو يصنع المعجزات ، ويسوع طارد الشياطين ، ويسوع الذي كان مع الاثنين مرافقي الطريق ، والأربعة صيادين ، والسبع صيادين، والاثني عشر رسولا ، والسبعون أو اثنان وسبعون في بعض النصوص، الذين كانت أسماؤهم مكتوبة في السماء ، ويسوع بعَرَقِهِ الدامي ، ويسوع الذي خانه يهوذا ، ويسوع قاهر القبر ، ويسوع البعث والحياة ، ويسوع أمام هيرود ، وفى الجحيم ، وظهوره للنسوة ، وللصيادين الأربع ، ويسوع المصلوب يوم 14 نيسان وفقا للإناجيل المتواترة ، ويوم 15 نيسان وفقا لإنجيل يوحنا ، ويسوع الذي صُلب أيضا في مصر (كما هو مكتوب في النصوص) ، ويسوع حاكم الموتى ، وممسكا بالحمل في يده اليمنى وبالعنزة في اليسرى .. كل ذلك وارد بالنصوص المصرية القديمة من الألف للياء في جميع هذه المراحل ” !

 

ثم يوضح قائل : ” لذلك قام المسيحيون الأوائل بطمس معالم الرسوم والنقوش وتغطيتها بالملاط أو الرسم عليها لتغطية هذه المعاني ، ومنع القيام بهذه المقارنات وتكميم أفواه الحجارة ، التي احتفظت بالكتابات المصرية القديمة بكل نضارتها عندما سقط عنها ذلك الطلاء ( … ) لقد تم تكميم المعابد والآثار القديمة وإعادة طلائها بالتواطؤ مع السلطة الرومانية، وتم إعادة افتتاحها بعد تنصيرها.

 

 لقد أخرسوا الأحجار ، ودفنوا الحقائق لمدة قرون إلى أن بدأت الحقائق تخرق ظلمات التحريف والتزوير ، وكأنها تُبعد كابوسا ظل قرابة ثمانية عشر قرنا ، لتنهي الأكاذيب ، وتسدل الستار عليها أخيرا .. تسدله على أكثر المآسي بؤسا من تلك التي عرفها مسرح الإنسانية ” ..

 

ومما يستند إليه جيرالد ماسيّ أيضا ، على أن المسيحية الحالية تم نسجها عبر العصور ، إن سراديب الأموات في روما والتي كان المسيحيون يختبئون فيها لممارسة طقوسهم هربا من الاضطهاد ، ظلت لمدة سبعة قرون لا تمثل يسوع مصلوبا ! وقد ظلت الرمزية والاستعارات المرسومة والأشكال والأنماط التي أتى بها الغنوصيون ، ظلت بوضعها كما كانت عليه بالنسبة للرومان واليونان والفرس والمصريين القدماء ، ثم يضيف قائلا : ” إن فرية وجود المسيح المنقذ منذ البداية هي فرية تاريخية ، ولا يمكن القول بأن الأناجيل تقدم معلومة أو يمكن      الخروج منها بيسوع كشخصية تاريخية حقيقية ، إنه تحريف قائم على أسطورة ”

 

وكل ما يخرج به ماسيّ بعد ذلك العرض الموثّق والمحبط في مقارنة المسيحية الحالية بالأساطير المصرية القديمة وغيرها ، يقول : “إن اللاهوت المسيحي قام بفرض الإيمان بدلا من المعرفة ، وأن العقلية الأوروبية بدأت لتوها بداية الخروج من الشلل العقلي الذي فُرض عليها بتلك العقيدة التي وصلت إلى ذروتها في عصر الظلمات .. وأن الكنيسة المسيحية قد كافحت بتعصب رهيب من أجل تثبيت نظرياتها الزائفة ، وقادت صراعات بلا هوادة ضد الطبيعة وضد التطور، وضد أسمى المبادئ الطبيعية لمدة ثمانية عشر قرنا .. لقد أسالت بحورا من الدماء لكي تحافظ على طفو مركب بطرس ، وغطت الأرض بمقابر شهداء الفكر الحر ، وملأت السماء بالرعب من ذلك الإرهاب الذي فرضته باسم الله ” !!

 

ولا يسعنا بعد هذا العرض الشديد الإيجاز إلا أن نتساءل : كيف لا تزال المؤسسة الفاتيكانية تصر بدأب لحوح على تنصير العالم ، وفرض مثل هذه النصوص التي تباعد عنها أتباعها في الغرب ، من كثرة ما اكتشفوا فيها من غرائب و لا معقول ، وتعمل جاهدة على اقتلاع الإسلام والمسلمين ؟! ..