أقباط حاولوا الاستيلاء على شارع وضمه للكنيسة ورشقوا قوات الأمن بالحجارة فاشتعلت مطروح

هيثم كمال الدين ( بر مصر ) :: بتاريخ: 2010-03-13

شهدت مدينة مرسى مطروح مساء أمس الجمعة مصادمات طائفية عنيفة بين الأقباط والمسلمين وذلك بمنطقة ( الريفية ) بسبب خلاف على قطعة أرض بين أحد المسلمين وبعض الأقباط وأكد شهود عيان لمراسل بر مصر أن شرارة الاحداث انطلقت بسبب قيام بعض الأقباط ببناء سور ليغلقوا به أحد الشوارع بالمنطقة و محاولتهم ضم هذا السور لأحد المباني الخدمية التابعة لكنيسة مطروح

وهو ما أثار حفيظة بعض المسلمين فنشبت مشادات تحولت إلى أشباكات حادة بين الطرفين على الفور انتقل اللواء حسين فكرى مدير أمن مطروح وقوات من كافة الأجهزة الأمنية إلى موقع الاشتباكات وتم فرض كردون أمنى من خمس تشكيلات أمنية على المنطقه المحيطة حول قطعة الارض التى وقعت بسببها الأشتباكات وتمت السيطرة على المكان وتم نقل المصابين إلى مستشفى مطروح العام . وأكد الأهالي أن الأقباط قاموا برشق قوا ت الأمن بالحجارة من فوق مبنى الخدمات الكنسي ورفضوا التجاوب مع محاولات مدير الأمن تهدئة الأوضاع

http://www.brmasr.com/view_article.php?cat=body_news1&id=15800

Advertisements

2 responses to “أقباط حاولوا الاستيلاء على شارع وضمه للكنيسة ورشقوا قوات الأمن بالحجارة فاشتعلت مطروح

  1. هذا عددهم طبقا لإحصاء الكنيسة والتاريخ

    منذ أيام أعلن الفاتيكان أن عدد النصارى بمصر لا يجاوز نسبة الستة بالمائة ومن قبله بأشهر قليلة مركز بيو الأمريكي.
    وحقيقة فهذا ليس فيه جديد إلا تأكيد كذب الدعاوي بأنهم اثنا عشر مليونًا أو خمسة عشر أو غيرها من الأرقام، كما يزعمون؛ وإن كان حقيقة كونهم عشرين مليونًا أو عشرين فردًا غير مؤثر من جهة الحقوق والواجبات الملزمة للمواطنين في بناء الدولة الإسلامية، فليست الكثرة هي التي تؤسس الحقوق ولا القلة هي التي تهدرها، ولكن في ظل غياب الشريعة أطلت الطائفية برأسها، وأصبح تعظيم الكم مدعاة للمطالبة بأوضاع طائفية خاصة؛ وإلا فالتمرد والخروج. ولهذا غضب النصارى من إحصاء عام 1976م و1986م والتي كانت نسبتهم فيه تدور في حدود الستة بالمائة.
    وهذه النسبة هي التي توافق إحصاء الكنيسة عندما كانت لا تراودها أحلام الحصول على السلطة بجانب سلطانها الروحي.
    فالنصارى اليوم يقولون أن مستندهم فيما يذكرونه من أعداد؛ هو ما يحملونه من كشوف أو دفاتر تحوي أسماء وأعداد الذين يتم تعميدهم بجانب كشوف أخرى تحوي أسماء الوفيات؛ بالتالي فهم لا يعتبرون ولا يعتمدون الإحصاءات الرسمية التي تقوم بها الدولة.
    عمومًا تلك الدفاتر أو الإحصاءات إن كانت موجودة لديهم، فهي ليست وليدة اليوم أو اللحظة إذ أنها تقليد ديني يلتزم البطريرك به، وكذا كل أبرشية حتى يعرف من يقطعه من غيره كما ذكر ذلك ابن سباع في تاريخه.
    وعلى هذا فكما تقول بوتشر (4/373) وكذلك الشماس منسي فإن: “البطريرك في عام 1855م قد أحصى النصارى، فوجد عددهم لا يقل ولا يزيد عن مائتان وسبعة عشر ألف نفس (217000)، بينما كان تعدد كل سكان القطر المصري في ذلك الحين خمسة ملايين من النفوس”، وبالتأكيد البطريرك اعتمد على كشوف دفاتر تعد أصل لتلك الدفاتر، التي اعتمدها النصارى اليوم في تقدير عددهم.
    والذي يظهر من إحصاء البطريرك الذي تم من مائة وخمسة وخمسين سنة، أن نسبتهم كانت لا تتعدى 4.34%؛ وبالتالي فإن الإحصاءات الرسمية التي تجري اليوم لو أظهرت أن نسبتهم تصل إلى خمسة أو ستة أو حتى سبعة بالمائة فلا مجال للادعاء بأنها لا تظهر العدد الحقيقي للنصارى، فما الدافع إذًا لتكذيبها، فإن نسبتهم على هذه التعدادات تشير إلي زيادة في النسبة بمقدار مرة ونصف تقريبًا خلال مائة وخمسين عامًا، بما يعني إن كان الشعب المصري قد زاد خلال هذه الفترة 16 مرة، أي من خمسة ملايين إلى ثمانين مليون فإن النصارى قد زادوا خلال نفس المدة بمقدار 24 مرة، أي من مائتان وسبعة عشر ألف إلى ما يزيد على الخمسة ملايين قليلًا.
    وعلى هذا فتلك الأرقام التي تتحدث عن عشرة ملايين واثني عشر مليونًا وخمسة عشر، إنما هي أرقام من وحي الخيال إذ يلزم من ذلك أن تكون زيادتهم كانت بمقدار من 50 إلى 80 مرة خلال مائة وخمسين عامًا تقريبًا؛ وعند هذا الحد أترك للقارئ الفرصة؛ ليجنح كيف يشاء بخياله ويتصور كم يلزم لكل نصراني أن ينجب حتى يصلوا لمثل هذا العدد، مع افتراض أن نسبة الوفيات بينهم صفر، وأن الجميع كان في سن صالحة للزواج والإنجاب، ولم يكن بينهم عقيم أو من لم يتزوج أو أي شيء من العوائق التي تقع في سبيل التكاثر والإنجاب، فإن انتهى من ذلك فليعد الإبحار ثانية مع أخذ العوائق المذكورة آنفًا في الحسبان، ومع الأخذ في الاعتبار أن انخفاض نسبة الوفيات في الأطفال بصفة عامة، لم تحدث إلا في الأربعين عام الأخيرة نظرًا لتحسن الأحوال الطبية.
    ثم ليعد الثالثة مع الأخذ في الاعتبار أعداد الذين يتركون النصرانية ويسلمون لله رب العالمين، ثم ليتصور بعد ذلك كيف أن المسلمين زادوا 16 ضعف، وهم الذين تقضي تشريعاتهم في مجال الأسرة بما يسمح بالتفوق في الحفاظ على النسل، من حيث الحث على الزواج، والسماح بأكثر من زوجة والمنع من الرهبنة، على العكس من النصرانية التي تمتدح الرهبنة التي لو ركبتها أمة من الأمم لكان مصيرها إلى الزوال مع مرور الزمن. إضافة لإعداد المنفصلين الذين لم يستطيعوا الحصول على حق الطلاق وبالتالي لا يمكنهم الزواج فأصبح هناك رجال وامرأة عاطلين عن الإنجاب رغم صلاحيتهم له، فانظر كيف يشرعون ما يقضى عليهم ويؤدي إلى اندثارهم.
    فإن لم يرض النصارى بذلك فعليهم أن يتهموا بطريركهم الذي قام بإحصائهم ؛ ولكن عليهم أن يعلموا أنه كان يلقب بالأنبا كيرلس أبو الإصلاح وصاحب النهضة الروحية والذي أخرج الأمة القبطية من عالم النسيان. فأيهما يصدق الأقباط البطريرك كيرلس أم بطريرك الاثني عشر مليونا؟.
    الإحصاء التاريخي
    أما تاريخيا فهذا هو ما تقر به إحصاءات أعوام 1897م ، و1907م ، و1917م ، و1927م ،و1937م، و1947م؛ وجميعها جرت في ظل الاحتلال البريطاني وأشرف عليها إنجليز ويهود ونصارى أرثوذكس.
    فمتى قفزوا تلك القفزة المدعاة؟؛ ثم أن الأمر سهل يسير ولا يحتاج إلى كبير عناء فبنظرة على سجلات المواليد والوفيات خلال عام ما وهي بيانات مثبتة في شهادات الميلاد والوفيات، وتخطر بها أولًا بأول منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة التابعتين لهيئة الأمم المتحدة ـ تخبرنا بجملة المواليد في من المسلمين ومن غيرهم (طوائف مسيحية ويهود) . وسيتضح منها أن النسبة المئوية على أساس المواليد والوفيات لغير المسلمين تدور في جميع الحالات حول 6 % أو أقل، وهو ما يؤكد صحة التعدادات المباشرة.
    ثم ما العجب ولما الغضب؛ وتلك هي حقيقة نسبة الأقباط منذ دخولهم أرض مصر كمرتزقة في جيش أبسمتك الأول، ثم كاستعمار استيطاني مع الإسكندر الأكبر وفي عهد البطالمة. ثم انتحالهم الملة المسيحية عندما دخلت مصر، وخلافهم مع أهل مصر من الذين دانوا بالمسيحية على مذهب الموحدين القائلين بنبوة المسيح عليه السلام والمعروف بمذهب آريوس والذين كانت لهم الغلبة والأكثرية النسبية في مصر إذ لم نأخذ الوثنيين في الحسبان.
    فمتى كان للمستوطنين (الإيجبت توس، الإيجبتوس) القادمين من جزر (بحر إيجه) غلبة عددية بأرض مصر؟
    بل حتى حينما دانت السلطة الزمنية (الإمبراطور البيزنطي) بالمسيحية على المذهب التثليثي القائل بألوهية المسيح وكان ذلك في نهاية القرن الرابع الميلادي،(أي قبل قرنين ونصف من دخول الإسلام مصر)، ما لبث أن دخلوا معه في صراع سياسي من أجل السلطة أدى إلى صراع وانشقاق ديني في عهد البطريرك ديمتريوس وذلك في منتصف القرن الخامس الميلادي وهو ما أدى إلى انقسام أتباع الملة النصرانية التي كانت تعتقد بألوهية المسيح وتقول بالتثليث إلى فرقتين وهم ما عرفوا بالكاثوليك والأرثوذكس. وقد مال أغلب الأقباط المنحدرين من الأصول اليونانية للمذهب الأرثوذكسي ثم ما أن دخل القرن السادس حتى انقسم هذا الفريق الأرثوذكسي حول ماهية جسد المسيح إلى ثلاثة فرق، وظل هذا الخلاف قائم مائة وسبعين عاما. مما يعنى أنه ظل قائما بعد الفتح الإسلامي لمصر بزمن.
    فمتى كان للقبط أغلبة بمصر سواء كهوية عرقية؛ أو حتى كهوية دينية من بعد أن انتحلوا الملة النصرانية؟ بل إنهم كانوا في طريقهم للزوال والاندثار ولم ينقذهم سوى الفتح الإسلامي الذي يحلوا لهم أن يصفوه اليوم بالاحتلال.
    أن الصراعات بين الفرق المسيحية في مصر خاصة :” أدت بهم ولا سيما الأقباط إلى الاضمحلال والدمار.” يعقوب نخلة تاريخ الأمة القبطية ص (28).
    ويقول ألفرد بتلر: “لقد كان لعودة بنيامين أثر عظيم في حل عقدة مذهب القبط وتفريج كربهم ، إن لم تكن عودته قد تداركت تلك الملة (الأرثوذكسية) قبل الضياع والهلاك”.
    فهذان مؤرخان أحدهما قبطي وهو يعقوب نخلة وكتابة معتبر عندهم، وكذا ألفرد بتلر وهو انجليزي يصرحان بأن القبط كانوا في الطريق إلى الاضمحلال والدمار والضياع والهلاك.
    فانظروا وتدبروا ؛ ثم انظروا وتأملوا إلى نتائج الاضطهاد المزعوم الذي قام به الاحتلال الإسلامي. نعم؛ إنها لا تعمى الأبصار؛ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ومن يرد الله فتنة فلن تملك له من الله شيئا.
    مشكلة الأقباط ليست في العدد ولا غيره؛ وإنما مشكلتهم أنهم ومنذ ذهاب دولتهم بمصر (الدولة البطلمية) على يد الرومان وهم يأبون الاندماج مع الشعب المصري ومازالت مصر وطن يعيش في خيالهم، وأحلامهم لهم وحدهم. ولم تعد مصر وطن يعيشون فيه يندمجون فيه مع أهله ويتفاعلون معهم من أجله.

    طريق السلف

  2. (((((((((((((((((((((((ا الدليل على أن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح وليست المسيحية أو اليهودية؟)))))))
    لقد أرسل الله رسله جميعاً بالإسلام، فأمروا قومهم أن يوحدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن يكفروا بما عداه من المعبودات الباطلة، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ {النحل:36}، فدين الأنبياء واحد، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ {آل عمران:19}، ولكن الاختلاف بينهم في الشريعة والأحكام، قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا {المائدة:48}، وقال صلى الله عليه وسلم: الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. رواه البخاري،
    وقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء بتصديق النبي محمد وأتباعه لو جاءهم، ولما بعثه سبحانه جعل شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع وأوجب على العالمين اتباعه، هذا ولم يستقم أتباع موسى وعيسى عليهما السلام على أمر ربهم، فعمد الأحبار والرهبان إلى التوراة والإنجيل فحرفوهما بما يتوافق مع أهوائهم، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ {المائدة:13}، وإلا فإن التوراة والإنجيل آمران بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فمن كفر بمحمد فقد كفر بالتوراة والإنجيل، .
    ولقد حفظ الله القرآن عن التغيير والتبديل، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {الحجر:9}، فلحفظ الله له لم يتبدل منه حرف على مرور القرون، مع شدة الحملة من الكفار على المسلمين، وغزو الصليبيين والتتار، ومحاولات الاستعمار الحديث والمستشرقين، إلا أن جميع كيدهم ذهب أدراج الرياح، وهذا من المعجزات. ولقد تحدى نبينا محمد البشر جميعاً بتلك المعجزة الباقية، وهي القرآن فعجزوا أن يأتوا بمثل سورة من سوره.
    ومن الأدلة على أن الإسلام هو الدين الحق….. –العقيدة الصافية، فالله وحده هو المتصرف في الكون، لا شريك له في الخلق والرزق، ولا يدبر معه الأمر أحد، ولا يستحق أحد من دونه أن يعبد، كما أنه موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص، بينما في النصرانية الرب عندهم يتزوج وينجب ( سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً )، فالإسلام يبطل عقيدة التثليث عند النصارى ويبطل ألوهية عيسى وأمه، قال تعالى: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ {المائدة:75}، فالإله لا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يولد، بل هو الغني عما سواه، فكيف يكون عيسى وأمه إلهين؟.
    ومن الأدلة على أن الإسلام هو دين الحق: شرائعه الواقعية، فهو يبيح الزواج بالنساء، ويرغب فيه، ولا يأمر بالرهبنة والتبتل، لكنه يحرم الزنا، والإسلام يبيح المعاملات بين الناس ولكنه يحرم الربا، ويبيح جمع المال من حله ولكنه يوجب الزكاة للفقراء، ويبيح الطعام ويستثني الميتة ولحم الخنزير ونحوهما، وغير ذلك من الشرائع الواقعية التي تناسب حاجات البشر ولا تضيق عليهم؟
    ومن الأدلة كذلك على أن الإسلام هو دين الحق: موازنته بين متطلبات الروح وحاجات البدن، ومن الأدلة على أن دين الإسلام هو دين الحق عدم مصادمة عقائده وتشريعاته للفطرة والعقل، فما من خير يدل عليه العقل إلا والإسلام يحث عليه ويأمر به، وما من شر تأنفه الطباع وينفيه العقل إلا والإسلام ينهانا عنه،
    ومن الأدلة على أن الإسلام هو دين الحق –إعجاز القرآن– فهو مع احتوائه على أكثر من ستة آلاف آية، ومع طرقه لموضوعات متعددة، فإنك لا تجد في عباراته اختلافاً بين بعضها البعض، كما لا تجد معنى من معانيه يعارض معنى، ولا حكماً ينقض حكماً، قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا {النساء:82}، ومن وجوه إعجاز القرآن: انطباق آياته على ما يكشفه العلم من نظريات علمية، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ {فصلت:53}، ومن أوضح ما أثبته القرآن من أن الجنين يخلق في أطوار، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة،…. إلخ ولم يقرر ذلك العلم التجريبي الحديث إلا في عصرنا الحديث، مع أن القرآن قرره قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن.
    ومن أوجه إعجاز القرآن كذلك، إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب، ومنها ما أخبر بوقوعه في المستقبل، كقوله تعالى: ألم* غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ {الروم}، وقوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ {الفتح:27}، وكذلك قص القرآن قصص أمم بائدة ليست لها آثار ولا معالم، وهذا دليل على أن هذا القرآن منزل من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الحاضر والماضي والمستقبل، قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا {هود:49}، ومن وجوه إعجاز القرآن كذلك فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره، فليس فيه ما ينبو عن السمع أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده، وحسبنا برهاناً على ذلك شهادة الخبراء من أعدائه، واعتراف أهل البيان والبلاغة من خصومه، فلقد بهتوا أمام قوة تأثيره في النفوس وسلطانه الروحي على القلوب، قال الوليد بن المغيرة وهو من ألد أعداء الرسول: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر. والحق ما شهدت به الأعداء.
    ====================
    الدّين هل استنفد أغراضه ؟
    ظن كثير من الغربيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في نشوة الانتصارات العلمية ، أن الدين قد استنفد أغراضه ، وأخلى مكانه للعلم !
    وعلى هذا الظن معظم ” علماء ” الاجتماع و ” علماء ” النفس في العالم الغربي . فهذا فرويد مثلاً يقسم حياة البشرية إلى ثلاث مراحل سيكلوجية : الأولى مرحلة الخرافة ، والثانية مرحلة التدين ، والثالثة والأخيرة هي مرحلة العلم !
    وقد شرحنا في المقدمة الأسباب والملابسات التي أدت بعلماء أوربا إلى اعتناق هذه النظرة المعادية للدين ، المنفرة منه ، وقلنا أن الصراع الذي قام بين الكنيسة والعلماء قد جعلهم يشعرون – بحق – أن ما تقول الكنيسة رجعية وانحطاط وتأخر وخرافة . وأنه يجب أن يخلي مكانه للعلم ، حتى يتاح للبشرية أن تتقدم في طريق المدنية .
    ثم كانت عدوى التقليد في الشرق الإسلامي المغلوب على أمره ، هي التي خيلت للمساكين من أهله ، أن طريقهم الوحيد إلى التقدم هو طريق أوربا الظافرة – لأنها اليوم ظافرة ! – وأن عليهم أن ينبذوا دينهم ، كما نبذت أوربا دينها ، وإلا فسيظلون سادرين في الرجعية والانحطاط والتأخر والخرافة !
    ولكن علماء أوربا وكتابها مع ذلك ليسوا كلهم من أعداء الدين ! وفيهم قوم معقولون تحررت نفوسهم من مادية أوربا الملحدة ، وعرفوا ان العقيدة حاجة نفسية وحاجة عقلية في ذات الوقت . ومن أبرز أمثلتهم جيمس جينز العالم الفلكي الذي بدأ حياته ملحداً شاكاً ، ثم انتهى عن طريق البحث العلمي إلى أن مشكلات العلم الكبرى لا يحلها إلا وجود إله ! وجينز برج عالم الاجتماع الشهير الذي يشيد بالدين الإسلامي خاصة لجمعه بين المادي والروحي في فكرة واحدة ونظام واحد . ثم ها هو ذا الكاتب المشهور سومرست موم يقول كلمته الصادقة البارعة : ” إن أوربا قد نبذت اليوم إلهها ، وآمنت بإله جديد هو العلم ، ولكن العلم كائن متقلب ، فهو يثبت اليوم ما نفاه بالأمس ، وهو ينفي غداً ما يثبته اليوم ، لذلك تجد عبّاده في قلق دائم ، لا يستقرون ” !
    إنها حقيقة . هذا القلق الدائم الذي يعيش فيه الغرب المضطرب ، القلق الذي يفسد أعصاب الناس هناك ، ويصيبهم بمختلف الأمراض النفسية والعصبية ، هو نتيجة الصراع الدائم في الأرض ، دون الاستناد إلى قوة ثابتة في الأرض أو السماء . كل شيء من حولهم يتغير. النظم الاقتصادية تتغير . والنظم السياسية تتغير . وعلاقات الدول والأفراد تتغير. وحقائق العلم تتغير. فإذا لم تكن هناك قوة ثابتة يستند إليها الأفراد في صراعهم الجبار مع الحياة والناس والأشياء ، فهناك نتيجة حتمية واحدة : هي القلق والاضطراب.
    ولو لم يكن للعقيدة مهمة تؤديها في حياة البشر إلا هذا الأمن الذي يجده الإنسان في رحاب الله ، وهو يتوجه إليه بأعماله ، ويقاوم قوى الشر والطغيان ابتغاء مرضاته ، ويكدح لتعمير الأرض تنفيذاً لإرادته وانتظاراً لمثوبته ، لكفى ذلك مبرراً للتمسك بالعقيدة ، والتزود منها بخير زاد .
    وما الإنسان بغير عقيدة ؟ ما هو بغير الإيمان بعالم آخر خالد الحياة ؟
    إنه لا بد أن يستولي عليه شعور الفناء . الشعور بقصر العمر وضآلته بالقياس إلى أحلام الفرد وآماله . وعندئذ يندفع وراء شهواته ، ليحقق في حياته القصيرة أكبر قدر من المتاع . ويتكالب على الأرض ، ومنافع الأرض ، وصراع الأرض الوحشي ، ليحقق في هذه الفرصة الوحيدة المتاحة له كل ما يقدر عليه من نفع قريب …
    ويهبط الناس . يهبطون في أحاسيسهم وأفكارهم ، ويهبطون في تصوراتهم لأهداف الحياة ووسائل تحقيقها . يهبطون إلى عالم الصراع البغيض الذي لا ينبض بآصرة إنسانية رفيعة ، ولا تخطر فيه خاطرة من ود أو رحمة أو تعاون صادق . ويهبطون إلى نزوات الجسد وضرورات الغريزة ، فلا يرتفعون لحظة إلى عاطفة نبيلة ولا معنى إنساني كريم .
    ولا شك أنهم – في الطريق ، في صراعهم الجبار – يحققون شيئاً من النفع ، وشيئاً من المتاع . ولكنهم يفسدون ذلك كله بالتكالب الذي يتكالبونه على النفع والمتاع . فأما الأفراد فإن الشهوات تتملكهم إلى الحد الذي يصبحون فيه عبيداً لها ، خاضعين لنزواتها ، محكومين بتصرفاتها ، لا يملكون أنفسهم منها ، ولا يخلصون من سلطانها . وأما الأمم فمصيرها إلى الحروب المدمرة التي تفسد المتاع بالحياة ، وتحول العلم – تلك الأداة الجبارة الخطيرة – من نفع الإنسانية إلى التحطيم المطلق ، والدمار الرهيب .
    فلو لم يكن للعقيدة مهمة تؤديها في حياة البشرية إلا الفسحة التي تمنحها للأحياء ، والأمل في حياة خالدة يحققون فيها كل آمالهم ، ويستمتعون فيها بكل ما يخطر في نفوسهم من متاع … ولو لم يكن لذلك من نتيجة إلا تخفيف حدة الصراع في الأرض ، وإتاحة الفرصة لمشاعر الحب والمودة والرحمة والإخاء ، لكفى ذلك مبرراً للتمسك بالعقيدة والتزود منها بخير زاد .
    وأصحاب المبادئ العليا والأفكار الإنسانية والعقائد الرفيعة ، من ذا الذي يهبهم الصبر على الكفاح ، والصمود لقوى الشر والطغيان في سبيل هذه المبادئ والأفكار؟ وما النفع الذي ينتظرونه ؟ لقد يقضي بعضهم – بل أغلبهم – حياته دون أن يحصل على النفع المنشود . ولن تفلح العقيدة المبنية على النفع الشخصي إلا ريثما يتحقق هدفها الصغير، ثم تكتسحها الأعاصير، لانها تقوم بغير جذور .
    ليس النفع القريب إذن هو الدافع إلى الصبر والصمود .
    حقيقة أن بعض ” المصلحين ” يستمدون القوة والصبر من الأحقاد ! أحقادهم الشخصية ، أو أحقاد طائفة من الناس ، أو أحقاد الجيل كله الذي يعيشون فيه . ولقد يصلون إلى بعض أهدافهم في ” الإصلاح ” . ولقد تكون أحقادهم من الحدة والعنف بحيث يحتملون كل عذاب في سبيل الهدف الذي ينشدون . ولكن العقائد المبنية على الحقد – لا على الحب – لا يمكن أن تسير بالبشرية إلى الخير الحق . قد تحل مشكلة موقوتة . وقد ترفع ظلماً واقعاً . ولكنها لن تكون قط علاجاً صالحاً لكل ما تعانيه البشرية من الآلام ، ولا بد أن تنحرف – بما فيها من أحقاد وسخائم – فتستبدل شراً بشر ، وظلماً بظلم ، وهبوطاً بهبوط .
    العقيدة التي لا تقوم على النفع القريب ، والتي لا تستمد غذاءها من السخائم والأحقاد ، والتي تستهدف الحب النبيل والإخاء الحق ، والتي تحارب الشر لأنها تحب للناس الخير .. هذه العقيدة وحدها هي التي تنفع الناس ، وتدفع بهم إلى الأمام في ركب المدنية .
    فكيف السبيل إليها بغير الإيمان ” بالحب ” الأكبر المنبثق من حب الله ، و ” الخير ” الأكبر الموصول بالله ، و ” الحق ” الأكبر الذي تقاس به حقائق الحياة ؟ وكيف السبيل إليها بغير الإيمان بالعالم الآخر الذي ينفي عن الروح خاطر الفناء في الأرض ، ويمنحها الإحساس بالدوام والخلود ، وينفي عنها الإحساس بضياع الجهد بلا ثمرة ، وضياع المشاعر النبيلة بلا جزاء ؟
    هذا عن العقيدة .. كل عقيدة في الله واليوم الآخر .
    ولكن الإسلام له حساب آخر .
    والذين يخطر في بالهم أن الإسلام قد استنفد أغراضه ، لا يعرفون لماذا جاء الإسلام .
    إنهم – كما حفظوا في دروس التاريخ التي وضعها الاستعمار لتدرس في المدارس المصرية ( ) – يعرفون أن الإسلام قد نزل لمنع عبادة الأصنام وتوجيه الناس إلى عبادة الله الواحد . وكان العرب يعيشون قبائل متفرقة متناحرة فألف بينهم ، وجعلهم أمة واحدة . وكانوا يشربون الخمر ، ويلعبون الميسر ويرتكبون المفاسد الخلقية ، فنهاهم عن ذلك ، وحرمه عليهم . كما حرم عليهم بعض العادات السيئة ، كالأخذ بالثأر ووأد البنات و … الخ . ودعا الإسلام المؤمنين به لنشر الدعوة فقاموا بنشرها ، وقامت الحروب والغزوات التي انتهت بانتشار الإسلام إلى حدوده المعروفة اليوم .
    فقط . تلك كانت مهمة الإسلام ! وإذن فهي مهمة تاريخية قد انتهت اليوم واستنفدت أغراضها .. ليس في العالم الإسلامي اليوم من يعبد الأصنام . والقبائل قد ذابت – قليلاً أو كثيراً – في أمم وشعوب . والخمر والميسر والمسائل الخلقية متروك أمرها ” لتطور ” المجتمع . وقد وجدت رغم تحريم الأديان لها ، فلا فائدة من المحاولة .. ونشر الدعوة قد انتهى ، ولم يعد له مكان في التاريخ الحديث .. وإذن فقد استنفد الإسلام أغراضه ، وعلينا اليوم أن نتجه إلى ” المبادئ الحديثة ” ففيها وحدها الغناء .
    ذلك وحي الدراسات التي ندرسها لأبنائنا في المدارس ، وهو كذلك وحي ما يسمونه ” الأمر الواقع ” كما يتبدى في الأذهان الضعيفة والنفوس المستعبدة لسلطان الغرب .
    ولكن هؤلاء وأولئك لا يدركون فيم نزل الإسلام .
    إن الإسلام في كلمة واحدة هو ” التحرر ” . التحرر من كل سلطان على الأرض ، يقيد انطلاق البشرية أو يقعد بها عن التقدم الدائم في سبيل الخير ( ) .
    التحرر من سلطان الطغاة الذين يستعبدون البشر لأنفسهم ، ويستذلونهم بالقهر والتخويف. فيفرضون عليهم ما يخالف الحق ، ويسلبون كرامتهم أو أعراضهم أو أموالهم أو أنفسهم . التحرر من طغيانهم برد السلطان كله إلى الله وحده ، وتقرير تلك الحقيقة العظمى التي ينبغي أن تكون بديهية في أذهان الناس وضمائرهم ، وهي أن الله وحده مالك الملك، وهو وحده القاهر فوق عباده ، وكلهم عباده ، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً . عند ذلك يتحرر الناس من خوف بشر مثلهم لا يملك من أمر نفسه شيئاً ، وهو وإياهم خاضع لإرادة الواحد القهار .
    والتحرر من سلطان الشهوة – حتى شهوة الحياة – وهي السلاح الذي يستخدمه الطغاة عن قصد أو عن غير قصد في استذلال البشر . فلولا حرص الناس على هذه الشهوات ما قبلوا الذل ، ولا قعدوا عن مقاومة الظلم الذي يقع عليهم . ولذلك عني الإسلام عناية شديدة بتحرير الناس منها ، ليقفوا من الشر موقف القوي المجاهد ، لا موقف الخانع المستخذي : ” قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين ” ( ) .
    وبذلك يجمع الشهوات كلها في كفة ، ويضع في الكفة الأخرى حب الله – الذي يتمثل فيه الحب والخير والحق – والجهاد في سبيل الله ، وفي سبيل هذه المعاني النبيلة كلها . ثم يجعل حب الله راجحاً لهذه الشهوات ، ويجعل ذلك شرط الإيمان !
    وليس التحرر من سلطان الشهوات مقصوداً لمقاومة الطغاة والجبارين فحسب ، ولكنه إلى جانب ذلك هدف شخصي لكل فرد ، لينقذ نفسه من استعباد الغرائز والوقوع تحت سلطانها الجائر المذل .
    إن الذي يغرق في شهواته يظن بادئ الأمر أنه يستمتع بلذائذ الحياة أكثر مما يستمتع غيره . ولكن هذا الظن الخاطئ يسلمه بعد قليل إلى عبودية لا خلاص منها ، وشقاء لا راحة فيه . فالشهوة لا تشبع أبداً بزيادة الانكباب عليها ، ولكنها تزداد تفتحاً واستعاراً ، وتصبح الشغل الشاغل لمن تملكه فلا يستطيع التخلص من ضغطها عليه ، فضلاً عن التفاهة التي يهبط إليها حين يصير همه كله أن يستجيب لصياح الشهوات . والحياة لا يمكن أن تتقدم ، والبشرية لا يمكن أن ترتفع ، إلا حين تتخلص من ضغط الضرورة ، لتعمل في الميدان الطليق . سواء كان عملها علما ييسر الحياة ، أو فنا يجملها ، أو عقيدة ترتفع بها إلى آفاق المشاعر العليا .
    ومن هنا كان حرص الإسلام الشديد على تحرير البشر من شهواتهم ، لا بفرض الرهبنة عليهم ، ولا بتحريم الاستمتاع بطيبات الحياة ، وإنما بتهذيب استجابتهم إليها ، وإتاحة القسط المعقول من المتاع ، الذي يرضي الضرورة ويطلق الطاقة الحيوية تعمل لإعلاء كلمة الله في الأرض . وكان الإسلام في ذلك يهدف إلى فائدة شخصية للفرد بتحقيق قسط من المتعة وراحة البال ، وفائدة أخرى للمجتمع كله ، يتوجيه طاقته إلى الخير والتقدم والارتقاء ، حسب نظريته الكبرى في التوفيق بين الفرد والمجتمع في نظام( ) .
    وتحرير العقل من الخرافة .. فقد كانت البشرية غارقة في خرافات عدة ، بعضها صنعه البشر ونسبوه إلى آلهتهم التي صنعوها بأيديهم ، وبعضها صنعه رجال الدين ونسبوه إلى الله ! وكلها نشأ من الجهالة التي كان يعيش فيها العقل البشري في طفولته ، فجاء الإسلام ليخلص البشرية من الخرافة ممثلة في الآلهة المزعومة ، وفي أساطير اليهود وخرافات الكنيسة ، ويردهم إلى الله الحق ، في صورة بسيطة يفهمها العقل ويدركها الحس ويؤمن بها الضمير؛ ويدعوهم إلى إعمال عقلهم لتفهم حقائق الحياة ، ولكن في صورة فريدة لا تقيم خصومة بين العقل والدين ، ولا بين الدين والعلم . لا تضطر الإنسان إلى الإيمان بالخرافة ليؤمن بالله ، ولا تضطره إلى الكفر بالله ليؤمن بحقائق العلم . وإنما تقر في ضميره في استقامة ووضوح أن الله قد سخر للناس ما في الكون جميعاً . وأن كل حقيقة علمية يهتدون إليها ، أو نفع مادي يحصلون عليه فإنما هو توفيق من الله ، يستحق أن يشكروا الله من أجله ويحسنوا عبادته ، وبذلك يجعل المعرفة جزءاً من الإيمان ، لا عنصراً مخالفاً للإيمان .
    وتلك كلها أهداف لم تستنفد أغراضها ، ولا يمكن أن تستنفد أغراضها ما دام البشر على الأرض !
    فهل تخلصت البشرية من الخرافة ؟ هل تخلصت من سلطان الطغاة والجبارين ؟ هل تخلصت من ضغط الجسد وصراخ الشهوات ؟
    نصف سكان العالم ما يزالون وثنيين يعبدون الأصنام ، في الهند والصين والقبائل المتفرقة في أنحاء الأرض . وما يقرب من نصفهم يعبدون خرافة أخرى لا تقل انحرافاً بالناس عن الحق ، ولا إفساداً لضمائرهم ومشاعرهم وعلاقات بعضهم ببعض ، بل ربما كانت أكثر انحرافاً وأشد خطراً : تلك الخرافة هي العلم !!
    العلم أداة جبارة من أدوات المعرفة ، وقد خطا بالبشرية كلها خطوات واسعة في سبيل التقدم والرقي ، ولكن إيمان الغرب به على أنه الإله الأوحد ، وإغلاق كل منافذ المعرفة سواه ، قد ضلل البشرية عن مقصدها ، وضيق آفاقها وحصر مجالها في الميدان الذي يستطيع العلم التجريبي أن يعمل فيه ، وهو ميدان الحواس . ومهما يكن من سعة هذا الميدان فهو ضيق بالنسبة لطاقات البشرية ؛ ومهما يكن من رفعته فهو أدنى مما يستطيع الإنسان أن يرتفع إليه ، حين يرتفع بفكره وروحه جميعاً ، فيتصل بحقيقة الألوهية ويقبس من نور المعرفة الحقة ببصره وبصيرته في آن . وذلك فضلاً عن الخرافة التي تخيل للمؤمنين بها أن العلم يستطيع أن يصل بهم إلى كل أسرار الكون والحياة ، والتي تخيل لهم أن ما يثبته العلم هو وحده الحق ، وأن ما لا يستطيع إثباته هو الخرافة ! والعلم ما يزال في طفولته ، وما يزال يضطرب في كثير من الحقائق بين النفي والإثبات ، وما يزال عاجزاً عن النفاذ إلى حقائق الأشياء ، يكتفي بوصف مظاهرها دون كنهها . ولكن عبّاده يتعجلون أمرهم وأمره ، فينفون وجود الروح ، وينفون قدرة هذا المخلوق البشري المحدود الحواس على تخطي حواجز المادة ، والاتصال بالغيب المجهول في ومضة من ومضات التليباثي ( ) ، أو في رؤيا صادقة ، لا لأن هذا ليس حقيقة ، ولكن لأن العلم التجريبي لم يستطع بعد إثباته ! ولما كان الله – سبحانه – لا يخضع للبحث التجريبي فقد استغنوا عنه ، وأعلن بعضهم أنه غير موجود ! !
    فما أحوج العالم اليوم إلى الإسلام ، كما كان محتاجاً إليه قبل ألف وثلاثمائة عام ! ما أحوجه إليه ينقذه من الخرافة ، ويرفع عقله وروحه من التردي فيها ، سواء كانت الخرافة هي عبادة الأوثان ، أو عبادة العلم على الصورة الزرية التي يمارسها أهل الغرب ” المتقدمون ” . بل ما أحوجه إليه يعيد السلم بين الدين والعلم ، ليعيد الاستقرار إلى الكائن البشري الذي تمزقه عقائد الغرب الفاسدة ، فتفصل بين عقله ووجدانه ، وتخالف بين حاجته إلى العلم وحاجته إلى الله !
    ما أحوجه إليه يزيل بقية الروح الإغريقية الخبيثة ، التي ورثتها أوربا الحديثة من تاريخها القديم في عصر الإحياء ، والتي كانت تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة خصام وصراع ، وتجعل كل سر من أسرار المعرفة أو كل خير يتوصل إليه بشر، شيئا منتزعا من الآلهة قسراً عنهم ، لو استطاعوا لمنعوه، وبذلك يعتبر كل كشف علمي انتصاراً على هؤلاء الآلهة وتشفيا فيهم !
    تلك الروح الخبيثة ما تزال في العقل الباطن الأوربي والغربي عامة ، تتبدى حيناً في بعض تعبيراتهم مثل ” قهر الإنسان للطبيعة ” أو ” العلم ينتزع الأسرار ” .. الخ . وتتبدى في طريقة إحساسهم بالله ، وشعورهم بأن عجز الإنسان هو – وحده – الذي يضطره للخضوع لله ، فكل كشف علمي يتوصل له الإنسان يرفعه درجة ، ويخفض الإله درجة ، وهكذا حتى يعرف الإنسان كل أسرار العلم ، ويخلق الحياة ( وهو الحلم الذي يخايل ” للعلماء ” اليوم ) وعندئذ يتخلص نهائيا من الخضوع لله ، ويصبح هو الإله !
    ما أحوج العالم للإسلام اليوم ، ينقذه من هذه الضلالة ، ويرد لروحه الأمن والسلام . ويشعره بعطف الله عليه ورحمته ، وأن كل معرفة يصل إليها أو خير يصيبه إنما هو منحة من الله يمنحها له ، وهو راض عنه – مادام يستخدمها في خير المجموع – وأن الله في الإسلام لا يغضب على الناس حين ” يعرفون ” ولا يخشى منافستهم له سبحانه ! وإنما يغضب عليهم فقط حين يستغلون معرفتهم في الضرر والإيذاء .
    وما أحوج الناس إلى الإسلام اليوم ينقذهم من الطغاة والجبارين كما كان ينقذهم منهم قبل ألف وثلثمائة عام !
    والجبارون اليوم كثيرون ، بعضهم ملوك ، وبعضهم أباطرة ، وبعضهم رأسماليون يمتصون دماء الكادحين ويقهرونهم بذل الفقر والحاجة ، وبعضهم دكتاتوريون يحكمون بالحديد والنار والتجسس ، ويقولون : إنهم ينقذون إرادة الشعوب أو إرادة البروليتاريا !
    والإسلام ينقذ الناس من الجبابرة في عالم الواقع لا في عالم الأحلام . ولقد يطيب لبعض الناس أن يسأل : فما بال الإسلام لم ينقذ أهله من حكامه الجبابرة الذين ما يزالون يكتمون أنفاسه ويمتصون دماءه وينتهكون حرماته ، باسم الإسلام ؟
    والجواب أن الإسلام لا يحكم في هذه البلاد ، وأن أهلها ليسوا مسلمين إلا بالاسم ، ينطبق عليهم قوله تعالى : ” ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ” ( ) وقوله تعالى : ” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ” ( ) .
    والإسلام الذي ندعو إليه ليس بطبيعة الحال ذلك الإسلام الذي يزاوله الحكام في الشرق الإسلامي ، ويخالفون به كل شرائع الله ، ويحكمون بدساتير أوربا مرة ، وبنظرية الحق الإلهي مرة ، ولا يعدلون بين الناس في هذا ولا ذاك .
    الإسلام الذي ندعوا إليه هو الإسلام الذي يهز العروش ، ويطيح من فوقها بجبابرتها ، وينزلهم على حكمه أو ينفيهم من الأرض : ” فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ” ( ) .
    وحين يحكم هذا الإسلام – وهو لا بد حاكم بإذن الله وتأييده – فلن يكون جبار في أرض الإسلام ، لأن الإسلام لا يقبل الجبابرة ، ولا يسمح لأحد أن يحكم بأمره في الأرض . وإنما بأمر الله ورسوله . والله يأمر بالعدل والإحسان .
    وحين يحكم هذا الإسلام ، أي حين يتربى جيل من الشباب يؤمن به ويجاهد في سبيله ، لن يكون للحاكم إلا تنفيذ شريعة الله ، وإلا فلا طاعة له على الناس بصريح قول الخليفة الأول : ” أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ” . ولن يكون للحاكم حق في المال أو في التشريع زائد على حقوق أي فرد من أفراد الشعب ، ولن يتولى ذلك الحاكم سلطانه إلا بانتخاب الناس له انتخاباً حراً طليقاً من كل قيد ، إلا قيد الرشد والعدل والإحسان .
    وحين يحكم هذا الإسلام فلن يخلص المسلمين من الجبروت الداخلي فحسب ، بل يخلصهم كذلك من الطغيان الأجنبي في صورة استعمار أو تهديد بالاستعمار . ذلك أن الإسلام دين عزة ومنعة ، يأبى الخضوع لهذا الاستعمار ويستنكره ، ويجعل حساب الله عسيراً على الرضا به أو الخنوع لسلطانه . ويدعو لمقاتلته بكل ما في الطاقة من وسائل الجهاد .
    فما أحوجنا إلى الإسلام اليوم ، نقف تحت رايته ، فنطهر أرضنا من دنس الاستعمار ، ونستخلص من قبضته الخبيثة أرواحنا وأموالنا وأعراضنا وعقائدنا وأفكارنا ، لنصير جديرين باسم الله الذي نعبده ، وبدينه الذي ارتضاه لنا يوم قال سبحانه : ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ” ( ) .
    ولكن دور الإسلام لا يقف عند هذا الحد ، فتحرير هذا الجزء من العالم من قبضة الطغاة في الداخل والخارج لا يقتصر أثره على أهله فحسب ، بل هو نعمة كبرى للعالم كله ، المثخن بجراح الحرب ، والذي تتهدده الحرب القادمة بالفناء المدمر الرهيب .
    فهذا العالم اليوم قد انقسم كتلتين كبيرتين ، الكتلة الرأسمالية من جانب ، والكتلة الشيوعية من جانب ، وهما تتنازعان النفوذ والموارد والنقط الاستراتيجية ، ولكنهما في الواقع تتنازعاننا نحن … نحن هذا العالم الممتد من المحيط للمحيط ، الغني بالموارد المادية والبشرية والنقط الاستراتيجية ، وهما تتصارعان علينا ، كأننا كمٌّ مهمل لا يحسب له حساب ، وإنما ينقاد للظافر انقياد العبيد ، وينتقل من ملكية سيد لسيد ، كما ينتقل المتاع والأشياء .
    ولو استرد العالم الإسلامي كيانه – وهو في طريقه إلى ذلك بإذن الله – لبطل الصراع الجبار الذي يهدد الأرض بالخراب ، ولبرزت في العالم كتلة ثالثة تمسك ميزان القوة الدولية من منتصفه ، وتملك بموقفها أن ترجح قوة هذه الكتلة أو تلك . عندئذ لا تتصارع علينا روسيا وأمريكا في وقاحة كما تصنعان اليوم ، وإنما تتسابق كلتاهما إلى استرضاء الإسلام والمسلمين.
    وإذن فالعالم اليوم في حاجة إلى انتصار الإسلام ، ولو لم يؤمن به إلا أهله القائمون اليوم ؛ لأن انتصاره يريح العالم من الخوف الدائم من الحرب ، والفزع المقلق للأعصاب .
    * * *
    وما أحوجه إليه ينقذه من سلطان الشهوات .
    هذه هي أوربا قد غرقت في شهواتها الدنسة لا تفيق منها . فماذا كانت نتيجة ذلك في العالم كله ؟ لقد تقدم العلم ، نعم ، ولكن البشرية لم تتقدم ، ولم يحدث قط أن تقدمت البشرية وهي مستعبدة لشهواتها ، غارقة في المتاع الحسي الغليظ .
    ولقد يبهر التقدم العلمي بعض الناس في الشرق والغرب ، فيحسبون أن الطائرة الصاروخية والقنبلة الذرية وجهاز الراديو والغسالة الكهربائية هي التقدم ! ولكن ذلك ليس مقياسه الحق ، وإنما المقياس الذي لا يخطئ هو مقدار استعلاء الإنسان على ضروراته : فهو مرتفع كلما استطاع ، وهو هابط كلما أخفق ، مهما ارتقت علومه ومعارفه .
    وليس هذا مقياساً تحكمياً تضعه الأديان ، أو علم الأخلاق ، بغير مبرر ولا رصيد من الواقع . فلنستعرض التاريخ : كم أمة استطاعت أن تعيش قوية متماسكة ، تعمل لخير البشرية وتقدمها ، بينما أهلها مشغولون بالمتاع الزائد عن الحد ؟ ما الذي حطم مجد اليونان القديمة ؟ وروما القديمة ؟ وفارس القديمة ؟ما الذي حطم العالم الإسلامي في نهاية العصر العباسي ؟ وكيف صنعت فرنسا الداعرة في الحرب الأخيرة ؟ ألم تسلم عند أول ضربة ، لأنها أمة مشغولة بمباذلها وشهواتها عن الاستعداد النفسي والمادي للدفاع عن بلادها ؟ أمة تخاف على عمائر باريس ومراقصها من تدمير القنابل ، أكثر مما تخاف على كيانها وكرامتها ” التاريخية ” ؟ !
    وربما كانت أمريكا هي المثل الذي يخايل للمستغفلين في الشرق ، فهي أمة غارقة في المتاع الدنس ، ومع ذلك فهي قوية مسيطرة ذات سلطان ، وإنتاجها المادي هو أضخم إنتاج في الأرض . كل ذلك صحيح . ولكن الذين تخايل لهم أمريكا ينسون أنها أمة فتية مذخورة القوة ما تزال في عنفوانها النفسي والجسدي . والشباب دائماً أقدر على احتمال المرض،بحيث يبدو من الظاهر كأنه لا يترك أثراً فيه . ولكن عين الخبير تستطيع – مع ذلك – أن تبصر أعراض المرض من وراء مظاهر القوة الخادعة . ويكفي أن نذكر هذين الخبرين الصارخين اللذين وردا في الصحف ليعرف المخدوعون أن سنة الله في خلقه لا تتغير . وأن العلم بكل مخترعاته لا يغير طبائع النفوس ، ولا طبائع الأشياء ، لأنه هو ذاته جزء من سنة الله ” ولن تجد لسنة الله تبديلاً ” .
    الخبر الأول هو طرد 33 موظفاً من وزارة الخارجية الأمريكية لأنهم مصابون بالشذوذ الجنسي ، ولأنهم بهذه الصفة لا يؤتمنون على أسرار الدولة !
    والخبر الثاني هو فرار مائة وعشرين ألفاً من التجنيد الإجباري في أمريكا ، وهو عدد ضخم بالنسبة لمجموع الجيش الأمريكي ، وبالنسبة لأمة فتية تريد أن تكافح للسيادة على العالم!
    والبقية تأتي- ولا بد أن تأتي- إذا استمر القوم على المتاع الدنس الذي هم غارقون فيه.
    هذه واحدة . والثانية أن إنتاج أمريكا الضخم هو إنتاج في عالم المادة وحدها . ولكنها على ثرائها وفتوتها وعظم الطاقة المذخورة في أرضها وناسها لم تنتج شيئاً يذكر في عالم المبادئ والقيم العليا ، لأنها غارقة في انطلاقة جسدية فارهة ، ولا ترتفع كثيراً عن محيط الحيوان ، وتهبط كثيراً إلى ما يشبه اندفاعات الآلات ! ويكفي أن تكون هي الأمة التي تعامل الزنوج تلك المعاملة الوحشية البشعة ، لكي نعرف مستواها النفسي ، وآفاقها البشرية .
    كلا ! لا يرتفع العالم بالهبوط في حمأة الشهوات .
    وما أحوج العالم إلى الإسلام اليوم ، كما كان في حاجة إليه قبل ألف وثلاثمائة عام ، لينقذه من العبودية للشهوة ، ويطلق طاقته الحيوية إلى آفاقها العليا ، لتنشر الخير ، وتصبح جديرة بما كرمها الله !
    ولا يقولن أحد إنها محاولة فاشلة ميئوس من نتائجها ! فمن قبل جربت الإنسانية أنها تستطيع أن ترتفع , وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى . والناس هم الناس . وقد كان العالم قبل الإسلام مباشرة قد هبط إلى درجة من العبودية للشهوات تشبه إلى حد كبير ما هبط إليه اليوم ، بغير فارق سوى تغير أدوات المتاع. وكانت روما القديمة لا تقل دعارة عن باريس ولندن ومدن أمريكا، وكانت فارس القديمة غارقة في فوضى خلقية كالتي يصفون بها العالم الشيوعي ، ثم جاء الإسلام فبدل هذا كله إلى حياة رفيعة فاضلة ذاخرة بالنشاط والحركة ، عاملة على الخير ، معمرة للأرض ، دافعة بالإنسانية كلها في الشرق والغرب إلى التقدم الفكري والروحي ، ولم يستعص الشر الذي كان الناس يومئذ غارقين فيه ، على الإصلاح الذي عمل عليه الإسلام .
    وظل العالم الإسلامي مصدر النور والخير والتقدم في العالم كله فترة طويلة لم يشعر خلالها أنه محتاج إلى التبذل الخلقي والفوضى والإباحية ، لكي يحصل على القوة المادية والتقدم العلمي والفكري ! وإنما كان أهله مثلاً رفيعة في كل ميدان . حتى هبط عن أخلاقه القياسية ، واستعبدته الشهوات ، فجرت عليه سنة الله .
    والدفعة الإسلامية الجديدة التي تتجمع اليوم لتتحرك ، دفعة هائلة تستمد من ذخيرة الماضي ، وتأخذ بأسباب القوة الحاضرة ، وتتطلع إلى المستقبل ، فتتوفر لها كل عوامل النماء والقوة . فهي كفيلة بأن تعيد المعجزة التي قام بها الإسلام أول مرة ، فترفع الناس من حضيض الشهوة إلى مستوى الإنسانية الكريمة التي تعمل في الأرض وهي تتطلع للسماء .
    * * *
    ولكن الإسلام إلى جانب هذا كله ، أو بسبب من هذا كله ، لم يكتف بأن يكون عقيدة روحية ، أو محاولة للتهذيب الخلقي ، أو دعوة للتجرد الفكري والتأمل في ملكوت الله ، وإنما كان ديناً عملياً ينظر في شؤون الأرض ، فلا تفوته كبيرة ولا صغيرة في علاقات الناس بعضهم ببعض ، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية إلا اهتم بها ووضع لها تشريعاتها وتطبيقاتها ، ولكن في صورة فريدة تربط بين الفرد والمجتمع ، بين العقل والوجدان ، بين العمل والعبادة ، بين الأرض والسماء ، وبين الدنيا والآخرة كلها في نظام .
    ولا يتسع هذا الفصل للحديث المفصل عن النظام الإسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع . والفصول التالية كلها عرض لبعض مظاهر هذا النظام من نواحيه المختلفة ، في أثناء مناقشة الشبهات التي تثيرها أوروبا وعبّادها ضد هذا الدين . ولكنا نكتفي هنا بالإشارة إلى الحقائق التالية :
    أولاً : أن الإسلام لم يكن دعوة نظرية . وإنما كان نظاماً عملياً يعرف حاجات الناس الحقيقية ويعمل على تحقيقها .
    ثانياً: أنه في سبيل تحقيق هذه الحاجات يسعى إلى التوازن المطلق بقدر ما تطيقه طبائع البشر، فيوازن أولاً في نفس الفرد بين حاجات الجسد وحاجات العقل وحاجات الروح ، ولا يترك جانباً منها يطغى على جانب آخر . فلا يكبت الطاقة الحيوية في سبيل الارتفاع بالروح ، ولا يبالغ في الاستجابة لشهوات الجسد إلى الحد الذي يهبط بالإنسان إلى مستوى الحيوان ، ويجمع بين ذلك كله في نظام موحد لا يمزق النفس الواحدة بين الشد والجذب ، ولا يوجهها وجهات شتى متناقضة . ثم يوازن ثانياً بين مطالب الفرد ومطالب المجتمع ، فلا يطغى فرد على فرد ، ولا يطغى الفرد على المجتمع ، ولا المجتمع على الفرد ، ولا طبقة على طبقة ، ولا أمة على أمة . وإنما يقف الإسلام بين هؤلاء جميعاً يحجز بينهم أن يتصادموا ، ويدعوهم جميعاً إلى التعاون في سبيل الخير الإنساني . ثم هو أخيراً يوازن في نظام المجتمع بين مختلف القوى : يوازن بين القوى المادية والقوة الروحية ، وبين العوامل الاقتصادية والعوامل ” الإنسانية ” . فلا يعترف – كما تصنع الشيوعية – بأن العوامل الاقتصادية أو القوى المادية هي وحدها المسيطرة على الإنسان . ولا يؤمن – كما تصنع الدعوات الروحية الخالصة أو المذاهب المثالية – بأن العوامل الروحية أو المثل العليا تستطيع وحدها أن تنظم حياة البشر . وإنما يؤمن بأن هذه جميعاً عناصر مختلفة يتكون من مجموعها ” الإنسان ” . وأن النظام الأفضل هو النظام الأشمل ، الذي يستجيب لمطالب الجسد ومطالب العقل ومطالب الروح في توازن واتساق .
    ثالثاً : أن للإسلام فكرة اجتماعية ونظاماً اقتصادياً قائما بذاته ، قد تلتقي به عَرَضاً بعض مظاهر الرأسمالية أو الشيوعية ، ولكنه على وجه التأكيد شيء آخر غير الرأسمالية والشيوعية ، يجمع كل مزاياهما دون أن يقع في أخطائهما وانحرافاتهما . نظام لا يبالغ في الفردية إلى الحد البغيض الذي يقوم في الغرب ، والذي يعتبر الفرد هو الأساس ، وهو الكائن المقدس الذي تصان حرياته ، ولا يجوز للمجتمع أن يقف في سبيله .. فتنشأ هناك الرأسمالية القائمة على أساس حرية الفرد في استغلال الآخرين . ولا يبالغ في الاتجاه الجماعي الذي يقوم في شرق أوروبا ، ويعتبر المجتمع هو الأساس ، والفرد ذرة تائهة لا كيان له بمفرده ، ولا وجود له إلا في داخل القطيع ، فالمجتمع وحده هو صاحب الحرية وصاحب السلطان ، وليس للفرد أن يحتج عليه أو يطالبه بحقوقه .. وهناك تنشأ الشيوعية القائمة على سلطان الدولة المطلق في تكييف حياة الأفراد . وإنما هو نظام وسط بين هذا وذاك ، يعترف بالفرد ويعترف بالمجتمع ، ويوازن بينهما . فيمنح الفرد قدراً من الحرية يحقق به كيانه ولا يطغى به على كيان الآخرين ، ويمنح المجتمع – أو الدولة ممثلة المجتمع – سلطة واسعة في إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية كلما خرجت عن توازنها المنشود . وكل ذلك على أساس الحب المتبادل بين الأفراد والطوائف ، لا على أساس الحقد والصراع الطبقي الذي تقيم عليه الشيوعية فلسفتها النظرية وتطبيقاتها العملية .
    وهذا النظام الفريد لم يجئ به الإسلام تحت ضغط الضرورات الاقتصادية ، ولا نتيجة لاحتكاك المصالح المتصارعة ، وإنما أتى به تطوعاً وإنشاءً ، في وقت لم يكن العالم كله يقيم وزناً للعمل الاقتصادي أو يعرف شيئاً حقيقياً عن العدالة الاجتماعية كما نفهمها اليوم . ولا يزال هذا النظام إلى هذه اللحظة نظاماً تقدمياً بالنسبة للرأسمالية والشيوعية وهما آخر ما عرف العالم الحديث في عالم الاجتماع والاقتصاد .. وإن ” المطالب الأساسية ” التي نادى بها كارل ماركس واعتبر الدولة مسئولة عن تحقيقها ، فأحدث بذلك ثورة عظمى في التاريخ: وهي الغذاء والمسكن والإشباع الجنسي ، لهي بعض مما قاله الإسلام من قبل ألف وثلاثمائة عام ! يقول نبي الإسلام الكريم : ” من كان لنا عاملاً ولم يكن له زوجة فليتخذ زوجة ، وليس له مسكن فليتخذ مسكنا ً، وليس له خادم فليتخذ خادما ً، وليس له دابة فليتخذ دابة ” فيلمّ بكل ” المطالب الأساسية ” التي نادى بها ماركس ويزيد عليها ، في غير ما أحقاد طبقية ، ولا ثورات دموية ، ولا إنكار لكل مقومات الحياة الإنسانية التي تتجاوز هذه الضروريات .
    * * *
    تلك بعض الجوانب البارزة في النظام الإسلامي .
    وإن ديناً تلك قواعده وأركانه ، ديناً يحيط بهذا المدى الواسع من حياة البشر في حركاتهم ، وسكناتهم ، في أفكارهم ومشاعرهم ، في عملهم وعبادتهم . في اقتصادياتهم واجتماعياتهم ، في نزعاتهم الفطرية وأشواقهم الروحية ، ويضع لذلك كله نظاماً متوازناً فريداً في التاريخ .. هذا الدين لا يمكن أن يستنفد أغراضه، لأن أغراضه هي الحياة كلها ، ما دامت الحياة .
    وإن العالم بأحواله التي يعيش عليها اليوم ، ليس هو الذي يستغني عن وحي الإسلام وتنظيم الإسلام .
    العالم الذي يصل فيه التعصب العنصري إلى صورته الوحشية في أمريكا وجنوب أفريقيا في القرن العشرين ، ما زال يحتاج إلى وحي الإسلام الذي سوى قبل ثلاثة عشر قرناً في واقع الحياة لا في عالم المثل والأحلام بين الأسود والأبيض والأحمر ، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى . ومنح العبيد السود : لا المساواة في الإنسانية فحسب ، بل أرفع ما يطمح إليه مسلم وهو ولاية أمر المسلمين ! يقول الرسول الكريم : اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله تعالى ” ( ) .
    والعالم الغارق في الاستعمار والاستعباد ، الذي يصل إلى درجة الوحشية ، ما يزال يحتاج إلى وحي الإسلام الذي حرم الاستعمار بقصد الاستغلال ، وعامل البلاد التي فتحها – بقصد نشر الدعوة – معاملة ما تزال في نظافتها وارتفاعها قمة لا تصل إليها أبصار الأقزام في أوروبا ” المتحضرة ” . فيقرر عمر بن الخطاب ضرب ابن عمرو بن العاص ، ويكاد يضرب عَمراً نفسه ، وهو القائد المظفر والحاكم المبجل ، لأن ابنه ضرب شاباً مصرياً قبطياً بغير وجه حق !
    والعالم الغارق في مفاسد الرأسمالية ، ما يزال يحتاج إلى نظام الإسلام الذي حرم الربا والاحتكار ، وهما الركنان اللذان تقوم عليهما الرأسمالية ، قبل القرن العشرين بثلاثة عشر من القرون !
    والعالم الذي غشيته الشيوعية المادية الملحدة ما يزال يحتاج إلى نظام الإسلام الذي يحقق أقصى حد للعدالة الاجتماعية ، دون أن يحتاج إلى تجفيف المنابع الروحية في الإنسان ، ولا حصر عالمه في الميدان الضيق الذي تدركه الحواس ، ودون أن يحتاج إلى فرض عقيدته على الناس بالدكتاتورية ، إنما يقول لهم : ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” .
    والعالم المفزع من الحرب ما يزال يحتاج إلى قيام الإسلام ، لأن ذلك وحده هو سبيله الواقعي إلى السلام ، لفترة طويلة من الزمان .
    كلا ! لم يستنفذ الإسلام أغراضه . وإن دوره في مستقبل البشرية لا يقل بحال عن دوره الهائل الذي أنار به وجه الأرض ، حينما كانت أوروبا ما تزال في عصر الظل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s