كاهن كنيسة بوسط البلد : الكنيسة أكبر من البلد كلها

المصريون | 19-01-2010 23:26

في تصريح شديد العدائية والطائفية ، على أحداث نجع حمادي ، والتي أكدت القيادات الأمنية والسياسية في قنا أنه حادث فردي جاء ردا على اغتصاب طفلة مسلمة في فرشوط ، صرح كاهن كنيسة “مرقسية” بإحدى مناطق وسط البلد ، “أن الكنيسة أكبر من البلد كلها” .. يا عيني على الوحدة الوطنية !!

http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=23639

2 responses to “كاهن كنيسة بوسط البلد : الكنيسة أكبر من البلد كلها

  1. المسكوت عنه فى المسألة الطائفية بمصر
    بقلم: إبراهيم عوض
    الموقع المشباكى: http://ibrawa.coconia.net/

    متى تنبهتُ إلى حكاية “مسلم ونصرانى”؟ بطبيعة الحال كنت، فى طفولتى، أعرف أن هناك نصارى فى مصر، لكن قريتى فى الوجه البحرى بوسط الدلتا كانت وما تزال تخلو تماما من أى وجود نصرانى، اللهم إلا من يَرِد عليها بين الحين والحين من الموظفين الأقباط مثل الأستاذ جرجس مدير مكتب البريد الذى كان أهل القرية يكرمونه ويستضيفونه عندهم على العَشَاء فى كثير من الليالى نظرا لعدم وجود أحد من أفراد أسرته معه، وكطبيب الوحدة المجمعة الذى كان لقب أسرته لوقا إذا لم تكن الذاكرة قد عبثت بى، والذى ما فتئت أستحضر بسهولة شديدة منظره وهو يمثل أحد الأدوار المضحكة مع بعض الطلبة الأزهريين فى مشهد هزلى على مسرح الوحدة المجمعة بالقرية يقوم على ترديد كل واحد من الممثلين لهذه الجملة مع زيادة عدد “البرابيخوهات” كل مرةٍ واحدا: “برابيخو مات ومَوِّت معاه واحد (اتنين/ تلاتة/ أربعة…) برابيخو”. لكن عندما انتقلتُ إلى المدينة لأواصل تعليمى فى المرحلة الإعدادية أخذت أرى الكنائس فى طنطا، وقد أشاهد أيضا مواكب الجنائز النصرانية وهى تشق شوارع المدينة تصدح منها موسيقى جنائزية حزينة، ويتقدمها حصانان يجران عربة التابوت مما كان يشد انتباهى ويستهوينى. وأبرز ما بقى فى ذاكرتى من هذه المناسبات الجنائزية ذلك الموكب الذى انطلق ذات عصر فى أوائل الستينات من الكنيسة الموجودة بشارع القنطرة فى سُرّة المدينة. بل لقد دخلتُ كنيسة، وأنا فى المرحلة الإعدادية، قرب البيت الذى كنا نسكن فيه على أطراف طنطا بجوار السكة الحديد التى تؤدى إلى شبين الكوم فى نهاية شارع الحكمة، وربما كانت المناسبة عُرْسًا، وإن كنت لا أذكر شيئا آخر خلاف هذا لتقادم العهد بتلك الذكرى.
    وفى أول المرحلة الثانوية كان معنا فى الفصل عدد من الطلبة الأقباط منهم فيما أذكر الآن أديب، وكان لَسِنًا يتكلم كثيرا فى موضوعات الدين دون أن تكون هناك أية حساسيات بيننا، ومنهم قصدى الذى كنت أراه جالسا فى شرفة شقتهم بالدور الثانى بشارع طه الحكيم يستذكر دروسه فى العصارى، وكان يشجعنى هو وزميل نصرانى آخر لم أعد أذكر اسمه على أن ألتحق معه بالقسم العلمى لأنى، كما كانا يقولان، “خسارة” فى المواد الأدبية، ومن الأفضل أن أكون طبيبا حينما أكبر، وبخاصة أننى كنت أحصل على درجات فى المواد العلمية أحسن من تلك التى أُحْرِزها فى نظيرتها الأدبية. إلا أننى لم أستطع أن أتقبل رائحة الفورمالين ولا منظر كبد الأرنب الذى كان مغمورا فيه فى البرطمان أثناء إجابتى على بعض الأسئلة الشفوية المتعلقة بمادة الأحياء آخر العام، وأُصِبْتُ بالغثيان وظل يعاودنى بعدها لفترة من جراء ذلك!
    ومن بين هؤلاء الطلاب أيضا سعد، الذى كانت أسرته تسكن فى أول شارع القاضى من جهة شارع البحر، والذى ذهبت معه لبيتهم بعد انصرافنا من المدرسة عصر ذات يوم، وأعطتنى والدته نسخة من العهد الجديد (بناء على طلبى) كنت أقرأ فيها بين الحين والحين فأجد غرابة فى الأسلوب لا تتلاءم مع ما تعودت عليه من الأساليب العربية فى كتب العقاد وطه حسين والمازنى والرافعى وتيمور والحكيم وبنت الشاطئ وأمينة السعيد وصوفى عبد الله وغيرهم ممن كنت أقرأ لهم آنذاك. وبعد ذلك بعامين كنت أتردد، فى حى الصاغة بجنوب المدينة، على بعض الأصدقاء الذين كانوا يسكنون عند عم فوزى (النصرانى)، فكنت أراه عندهم، وقد ارتدى كأهل الريف جلبابا وربما قبقابا أيضا، يجادلهم فى بعض المسائل الدينية فيردون عليه، وكانوا جميعا (وخذ بالك من هذه!) من طلبة المعهد الدينى الأزهرى الذى لم يكن يبعد كثيرا عن بيت الرجل من جهة الغرب. ولا أظن أنه قد وقعت بينه وبين أولئك الأصدقاء أية مشاحنات رغم ذلك. كذلك كان مدرس التاريخ فى مدرستنا تلك الأيام أستاذا نصرانيا اسمه فكرى روفائيل، وكانت عنده مقدرة على تحبيبنا فى دروسه بأسلوبه الشائق وشرحه المفعم بالحيوية. وقد ذهبتُ بعد تعيينى فى الجامعة لزيارته (هو وأستاذى القدير المرحوم سيد أحمد أبو رية) فى المدرسة الأحمدية التى حصلت منها على التوجيهية، وزففت له خبر خِطْبتى فهنأنى مسرورا ورحب بى وأحضر لى مشروبا.
    بل لقد اشتغلت مدرسا فى شبابى فى بعض المدارس النصرانية، وكان لى فى واحدة منها ما يشبه الصداقة مع قِسّيسَيْن من قساوستها، وكان أحدهما مقبلا على الحياة يباهى بشبابه ووسامته ويُسِرّ إلىّ ببعض خصوصياته غير واجد فى ذلك حرجا، أما الآخر فكان يحدثنى عن تفاسير القرآن التى يرجع إليها فى دراساته الإسلامية ويأخذنى خلفه على دراجته النارية وهو فى ملابسه الكهنوتية قاطعا شوارع مصر الجديدة وشارع الخليفة المأمون إلى أن نصل على هذا الوضع اللافت للنظر إلى الجامعة. كذلك ففى الوقت الذى كنت أسكن فيه مع “فانوس” النصرانى ورفاقه من المجندين المسلمين الذين سيأتى ذكرهم عما قليل كان أصحاب البيت أقباطا، وكانت العلاقة بيننا وبينهم طيبة ولله الحمد والمنّة، بل أذكر أنهم أرسلوا لنا مرة أو مرتين بعض الطعام مع ابنتهم الصغيرة، وحين طلبوا منا إخلاء الشقة لحاجتهم إليها لم يستثنوا فانوسا، ولم يحاول هو أن ينخلع منا، بل خرجنا كلنا معا وبحثنا عن مسكن آخر فى منطقة الدمرداش آثرنى زملائى مشكورين بغرفة مستقلة من غرفتيها لأكون على راحتى فى الدراسة، وأخذوا هم كلهم الغرفة الأخرى، وكانت الأكبر، ولم يكلفونى من الإيجار إلا كأحدهم.
    فتأمل أيها القارئ الجو الذى كنا نعيش فيه تلك الأيام، وقارن بينه وبين الأجواء التى تنفجر بين الطائفتين بين الحين والحين رغم أن العلاقة بين عموم المسلمين وعموم النصارى طيبة إلى حد كبير! فمثلا كنت وما زلت أشترى كثيرا من حاجاتى، وبخاصة قطع غيار السيارة، من التجار الأقباط، ولى معهم مَوَدّات ومجاملات، ولا يمكن أن أنسى هنا دكان ميشيل فى طنطا القريب من مدرستى القديمة، والذى كلما ذهبت إليه لشراء قطعة غيار لسيارتى حين أكون فى القرية سمعت من صاحبه القفشات الضاحكة كعادته مع الزبائن. ولى قريب متعلم تاجر لا يشترى العسل الأسود إلا من أحد تجار النصارى (وهذا التاجر يشتغل فى الصباح مدرسا فى ذات الوقت)، وإذا حدث أن رافقته إلى هناك أكرمنى الرجل ورحب بى وبادلته مودة بمثلها أو بأشد منها. فماذا بالله عليكم أيها القراء يمكن أن يقع إذا قرر المسلمون مقاطعة التجار الأقباط؟ أسيكون هذا شيئا طيبا؟ وإنى لا أذكر أبدا أننى قد ضقت صدرا، بل لا أشعر حتى الآن ولا أظننى سأشعر فى المستقبل بضيق فى صدرى، من أى شخص يخالفنى فى الدين رغم أننى ككل البشر أفضِّل أن يكون الناس جميعا على دينى ومذهبى. وأرى أن بداية التغير فى جو العلاقات بين المسلمين والنصارى فى مصر الحبيبة تعود إلى بداية السبعينات حين تغيرت القيادة القبطية فى مصر. وفى هذا المقال أحاول أن أسلط الضوء على بعض ما هو مسكوت عنه فى ذلك الموضوع.
    وأعتقد أن أساس المشكلة يكمن فى زعم طائفة مؤثرة من نصارى الوطن أن المسلمين أجانب عن مصر، ذلك الزعم الذى كان كامنا تحت أطباق الرماد فى أغوار النفوس البعيدة فكأنه غير موجود، ثم أبرزه وأججه ذلك التغير الذى حدث فى قيادة الأقباط فى سبعينات القرن الماضى، مع تتالى انكسارات المسلمين بوجه عام فى ميدان السياسة والحروب. وهم يقصدون بهذا الكلام المزعوم شيئين: الأول أن المسلمين أجانب دِينًا، بمعنى أن مصر قد خلقها الله نصرانية تثليثية. أقول: “تثليثية” لأن هناك نصارى كثيرين جدا ليسوا تثليثيين بل موحدين لا يعتقدون فى عيسى أكثر من أنه نبى كريم لا إلهٌ ولا ابنٌ للإله كما يقول المثلِّثون. وما يقوله هؤلاء النصارى الموحدون هو ذاته ما يعتقده المسلمون فى هذا النبى العظيم صلوات الله وسلامه عليه. ورغم أن موحِّدى النصارى هم الأصل فى العقيدة السمحة التى أتى بها عيسى بن مريم، عليه وعلى السيدة العذراء السلام، فقد استطاعت الفِرَق المثلِّثة أن تجحر أولئك الموحدين وأن تضيق عليهم الخناق وأن تضطهدهم اضطهادا بشعا وأن تقتل منهم الكثيرين وأن تُقْصِىَ من لم تسطع القضاء عليهم عن المراكز المؤثرة وأن تهمّشهم تهميشا حتى انتهى الأمر أن أضحى صوت هؤلاء النصارى الموحدين مطموسا لا يُسْمَع. على أن المسلمين فى مصر طبقا لهذا الزعم ليسوا أجانب عن مصر بدينهم فحسب، بل هم أجانب أيضا عن أرض الكنانة المباركة بجنسهم ودمائهم التى تجرى فى عروقهم وتستحق الحرق، فهم على هذا الزعم الكاذب عربٌ أَتَوْا من وراء الحدود، وينبغى من ثَمّ أن يعودوا من حيث أَتَوْا، أى إلى الجزيرة العربية.
    وللأسف فإن الجو لا يسمح بالضحك، وإلا لقلت: يدى على يدكم، وساعدونا على التجنس بأية جنسية عربية (لكن دعونا أَوّلاً من اليمن، فليس فيها نفط)، ذلك أن العمل فى دول الخليج هدف لمعظم المصريين، وذلك التجنس سوف يوفر عليهم الوقت والجهد ولن يكونوا بحاجة إلى البحث واللهاث وطلوع العين والروح خلف وظيفة فى أى بلد بترولى، إذ سيكونون هم أنفسهم من أهل تلك البلاد البترولية التى تفيض زفتا وقطرانا، وبالتالى: سمنا ولبنا وعسلا. وتصوروا المصريين وقد أصبحوا يلعبون بالمال لعبا، ويركبون السيارات الفارهة، ويأكلون الكبسة وهُبَر اللحم فى كل وجبة، ويعطّشون كلهم الجيم ويخرجون ألسنتهم، لا للناس الذين ليس عندهم نفط مثلهم، بل لزوم نطق حروف الثاء والذال والظاء (وبالذات الظاء كما كان حسن عابدين يصنع فى إعلانه الشهير عن شويبس)، ويلبسون الغترة والعقال (أيضا مثل ذلك الممثل الموهوب عليه رحمة الله فى إعلانه المذكور)، ويتزوج كل منهم أربعًا (فى عين العدو) ويعيش فى بُلَهْنِيَةٍ من العيش لم يتخيلها فى يوم من الأيام، وإذا نزل أحدهم مصر التف حوله الناس وتقربوا إليه وناشدوه الله والرَّحِم أن يبحث لهم عن عقد عمل فى بلاده. وساعتها سوف يندم هؤلاء المساعير المتعصبون ندامة الكُسَعِىّ، لكن بعد خراب بصرة!
    غير أن الجو للأسف لا يتحمل مثل هذا الضحك، بل إنه لا يقبل مجرد الابتسام! على الأقل لأن الخليجيين لن يَرْضَوْا أبدا باستلحاقنا كى نشاركهم تلك النعمة ونقلل بالضرورة أنصباءهم فيها إلى الفتات لأننا عشرات الملايين، على حين لو جمعناهم “كلهم على بعضهم” فى جميع دول الخليج فلن يصلوا إلى ثلث ذلك العدد، بل إن السكان فى بعض تلك الدول لا يصلون إلى ربع المليون. ومعنى هذا أننا، بعد أن نترك مصر أملا فى احتياز تلك الثروات الأسطورية التى تُسِيل اللعاب، سوف نُمْنَع من دخول بلاد العرب، وعندها يقيمون لنا خياما على الحدود كما صنعوا مع الفلسطينيين المساكين على الحدود الليبية المصرية ذات يوم. ولكن أية حدود؟ ليس إلا البحر الأحمر يا حبيبى أنت وهو، فى عبّارة من تلك العبّارات التى تعرفونها والتى سوف ننتهى فيها إلى أن نكون طعاما للحيتان، ولن يكون صاحبها بحاجة إلى الهروب من مصر قبل رفع الحصانة عنه، لأنه قد هرب وانتهى الأمر، وهو فى لندن من يومها يعيش آمنا تماما ويستمتع بأموالنا التى سرقها منا وقتلنا بها، ولن يهمه من أمرنا شىء. أى أننا غارقون غارقون، وفى بطون الحيتان وأسماك القرش مستقرون! نستأهل! هل قال لنا أحد نُقِلّ عقلنا ونصدّق هذه الآمال الكواذب ونترك المحروسة؟ وبهذا نكون لا طُلْنا عنب الشام ولا بلح اليمن، ولا حتى المشّ المصرى المعتبر!
    ولقد قرأت فى “أحكام أهل الذمة” لابن قَيّم الجَوْزيّة، وكذلك فى “صبح الأعشى” للقلقشندى، ما نصه: “وفي أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي بالديار المصرية، امتدت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالخيانة، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم. واستُعْمِل منهم كاتب يعرف بالراهب، ويُلَقَّب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي الآباء، وسيد الرؤساء، مقدّم دين النصرانية، وسيد البتركية، صفيّ الرب ومختاره، وثالث عشر الحواريين، فصادر اللعينُ عامةَ مَنْ بالديار المصرية: مِنْ كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوّفه بعض مشايخ الكتّاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سببا لهلاكه. وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطبا له ومسمعا للجماعة: نحن ملاك هذه الديار حرثًا وخَرَاجًا، ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها وغصبوها، واستملكوها من أيدينا. فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قُبَالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قُتِل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح. فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حِلٌّ لنا، وهو بعض ما نستحقه عليهم. فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم، وأنشد:
    بنت كَـــــرْمٍ يتَّمـــوها أمهـــــا ** وأهـــانوها فدِيسَتْ بالقدمْ
    ثم عادوا حكّموها بينـهـم ** وَيْلَهُمْ من فعل مظلومٍ حَكَمْ
    فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه، وعَضّوا عليه بالنواجذ، حتى قيل إن الذي احتاط عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين مائتا ألف واثنان وسبعون ألفا، ومائتا دار وحانوت وأرض بأعمال الدولة، إلى أن أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومن الأموال ما لا يحصيه إلا الله تعالى”.
    وبهذه المناسبة أذكر أننى، قبيل انتهاء حرب رمضان المجيدة أيام الشباب الأول، كنت أسكن فى شقة مفروشة فى منطقة قريبة من دير الملاك بالقاهرة مع بعض المجندين من خريجى الجامعات، ومنهم شاب نصرانى اسمه ميلاد كنت أحبه وأستلطف ظله وأضحك معه كثيرا وأداعبه وأطلق عليه اسم “فانوس”، مثلما كنت أسمى زميلا له مسلما اسمه أحمد بــ”أحمد الدَّنَف” إشارة إلى غلبة النعاس عليه أثناء حديثنا معه وانفراج فكيه وثقل جفنيه. و ذات عصريّةٍ كنت أناقش صديقى فانوسا فى شارع رمسيس قبل أن تغير الحكومة معالمه وتجعله اتجاها واحدا، وكنا ساعتها فى منطقة الدمرداش قريبا من الكاتدرائية، ولا أدرى بالضبط فيم كنا نتحاور، إلا أن الذى أذكره جيدا أنه ألقى بالجملة التالية فجأة فى وجهى، وكانت أول مرة أسمع شيئا كهذا: “أنتم، أيها المسلمون فى مصر، عرب ولستم مصريين، وهذه ليست بلادكم، لأنكم إنما جئتم من الجزيرة العربية مع عمرو بن العاص، وعليكم أن ترجعوا من حيث أتيتم!”. فما كان منى إلا أن رددت على البديهة فى الحال: انتظر يا فلان انتظر، وتعال نحسبها بالقلم والورق. ترى من الذى أدخل فى مخك هذا الكلام الذى لا معنى له ولا منطق فيه؟ أيُعْقَل، وأنت خريج كلية الهندسة البارع فى الحساب، أن تردد هذا الكلام الذى يدابر الحساب والإحصاء؟ إن العرب الذين دخلوا مصر مع عمرو بن العاص لم يكونوا يتجاوزون عدة آلاف، على حين كان سكان مصر بالملايين، فهل تريد أن تقول إن الذى بَقِىَ من هذه الآلاف القليلة المحدودة (أقصد: بَقِىَ ولم يغادرها إلى ليبيا وبقية بلاد المغرب مع حركة الفتح) قد تكاثر حتى أصبح يشكل الأغلبية الساحقة فى مصر الآن ويُعَدّ بعشرات الملايين، بينما الملايين النصرانية التى كانت موجودة آنذاك بمصر قد أكلتها القطة فلم تعد تتجاوز ثلاثة ملايين من الأنفس؟ فكان تعليقه: فماذا تريد أن تقول؟ قلت له بكل هدوء: أريد أن أقول إن المسلمين فى مصر هم مصريون لحما ودما، وإن كان هذا لا ينفى أن بعضهم قد انصهرت دماؤه مع دماء إخوانه من المسلمين العرب القليلين، مثلما انصهرت دماء نصارى مصر مع دماء النصارى الذين وفدوا على أرض الكنانة من كل مكان. فعاد يقول: لكن دينكم عربى، وليس نابعا من مصر! قلت: وهل دينكم يا فلان مِنْ نبت التربة المصرية؟ إنه وارد الخارج كما تعرف، والذين ورّدوه لنا ليسوا مصريين، وإن كان قد اعتنقه جزء من المصريين، أما الإسلام فاعتنقته الأغلبية الساحقة. فإن كنتم تريدون من الإسلام أن يعود أدراجه فلتعيدوا النصرانية قبل ذلك أدراجها وتعودوا معها إن كنتم ترغبون فى ذلك، أما نحن المسلمين المصريين فهذا وطننا، ولا نبتغى به بديلا، ولا يصحّ أن يقول أى إنسان كائنا من كان: “اخرجوا من مصر”، إذ أين نخرج، وليس لنا يا ابن الحلال وطن إلا المحروسة؟ بل من قال إن من حق أى إنسان أن يقول للمسلمين: اخرجوا من مصر! بالضبط مثلما لا نرى من حقنا أن نقول للنصارى المصريين: اخرجوا من مصر، وعودوا من حيث أتيتم، إذ أين يخرجون؟ وإلام يذهبون؟
    ثم عدت إلى الضحك معه ومداعبته كما كنت أصنع قبلا. وكانت هذه، والحق يقال، صدمة لم أتوقعها، ولم يَدُرْ قَطُّ ببالى أن أحدًا يمكن أن يقول هذا الكلام الغريب الساذج، لكنى بعد أن تكرر سماعى وقراءتى له لم أعد أرى فيه كلاما ساذجا غريبا، بل تخطيطا شيطانيا ودعاية مسمومة وحقدا عارما وأوهاما آثمة من شأنها أن تدمر الصلات الطيبة التى ينبغى أن تجمع بين الطوائف المختلفة لأبناء الوطن الواحد! وبمناسبة قولى آنفا إن العرب الذين دخلوا مصر مع عمرو بن العاص لم يكونوا يتجاوزون عدة آلاف، على حين كان سكان مصر بالملايين، أحب أن أوضح أن تلك النسبة العددية العربية الشديدة الضآلة فى مصر وفى كل مكان فتحه العرب هى المسؤولة عن ضآلة النسبة العددية للعلماء العرب بين علماء الحضارة الإسلامية عموما. والعجيب أن بعض الباحثين، وبخاصة من المستشرقين ومن يجرون وراءهم ويرددون أفكارهم كأنهم الأبواق، يتخذون ذلك تكأة للنيل من العرب والقول بأنهم ليسوا مؤهلين للعلم ولا باع لهم فى ميدان الإنجازات الثقافية ناسين بل متناسين عن عمدٍ وسبق إصرارٍ تلك الحقائق التى تفقأ العيون.

  2. ثم نبهنى بعد ذلك بسنواتٍ أستاذٌ جامعىٌّ مشهور إلى كتاب للشيخ الغزالى لم أكن قرأته رغم أننى كنت ولا أزال من المحبين لقراءة ما يخطه يراع ذلك العالم الجليل، وهو كتاب “قذائف الحق”، قائلا إن الكتاب يتضمن تقريرا أمنيا يرصد بعض النشاطات الكنسية المعادية للإسلام. فقلت له: لكن من الطبيعى أن يكون للكنيسة نشاطات لا توافقنا نحن المسلمين، فما وجه الأهمية لذاك؟ قال: اقرإ الكتاب، ولسوف ترى ما يريد الشيخ أن يقول. ولم أقرإ الكتاب رغم ذلك إلا بعدها بمدة طويلة، فوجدت فيه الكلام التالى الذى أنقله هنا من نسخةٍ متاحة على المشباك، وهو التقرير الذى أشار إليه الأستاذ المذكور، والكلام فيه عن الأوضاع التى كانت قائمة آنذاك:
    “إذا أراد إخواننا الأقباط أن يعيشوا كأعدادهم من المسلمين فأنا معهم فى ذلك، وهم يقاربون الآن مليونين ونصفا، ويجب أن يعيشوا كمليونين ونصف من المسلمين. لهم ما لهم من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، أما أن يحاولوا فَرْض وصايتهم على المسلمين وجَعْل أَزِمَّة الحياة الاجتماعية والسياسية فى أيديهم فلا. إذا أرادوا أن يبنوا كنائس تَسَعُ أعدادهم لصلواتهم وشعائرهم الدينية فلا يعترضهم أحد. أما إذا أرادوا صبغ التراب المصرى بالطابع المسيحى وإبراز المسيحية وكأنها الدين المهيمن على البلاد فلا. إذا أرادوا أن يحتفظوا بشخصيتهم فلا تُمْتَهَن، وتعاليمهم فلا تُجَرَّح، فلهم ذلك، أما أن يودّوا “ارتداد” المسلمين عن دينهم ويعلنوا غضبهم إذا طالبنا بتطبيق الشريعة الإسلامية وتعميم التربية الدينية فهذا ما لا نقبله.
    إن الاستعمار أوعز إلى بعضهم أن يقف مراغماً للمسلمين، ولكننا نريد تفاهماً شريفاً مع ناس معقولين. إن الاستعمار أشاع بين من أَعْطَوْه آذانهم وقلوبهم أن المسلمين فى مصر غرباء وطارئون عليها، ويجب أن يزولوا، إن لم يكن اليوم فغداً. وعلى هذا الأساس أَسْمَوْا جريدتهم الطائفية: “وطنى”! ومن هذا المنطلق شرع كثيرون من المغامرين يناوش الإسلام والمسلمين، وكلما رأى عودة من المسلمين إلى دينهم همس أو صرخ: عاد التعصب! الأقباط فى خطر! ولا ذرة من ذلك فى طول البلاد وعرضها، ولكنها صيحات مريبة أنعشها وقواها “بابا شنودة” دون أى اكتراث بالعواقب. وقد سبقت محاولات من هذا النوع أخمدها العقلاء، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتابات القمص سرجيوس، الذى احتفل “البابا شنودة” أخيراً بذكراه.
    ففى العدد 41 من السنة 20 من مجلة “المنارة” الصادر فى 6 / 12 / 1947 كتب هذا القمص تحت عنوان: “حسن البنا يحرض على قتال الأقليات بعد أن سلح جيوشه بعلم الحكومة” يقول: “نشرنا فى العدد السابق تفسير الشيخ حسن البنا لآية سورة “التوبة” قوله: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون” (التوبة/ 29). قال: “وقد قال الفقهاء، وتظاهرت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، إن القتال فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، وهو فرض كفاية لحماية الدعوة الإسلامية وتأمين الوطن الإسلامى، فيكون واجباً على من تتم بهم هذه الحماية وهذا التأمين. وليس الغرض من القتال فى الإسلام إكراه الناس على عقيدة، أو إدخالهم قسراً فى الدين، والله يقول: “لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى” (البقرة/ 256). كما أنه ليس الغرض من القتال كذلك الحصول على منافع دنيوية أو مغانم دينية، فالزيت والفحم والقمح والمطاط ليست من أهداف المقاتل المسلم الذى يخرج عن نفسه وماله ودمه لله بأن له الجنة: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون وعداً عليه حقاً فى التوراة والإنجيل والقرآن” (التوبة/ 111). حكم قتال أهل الكتاب: وأهل الكتاب يقاتَلون كما يقاتَل المشركون تماماً إذا اعْتَدَوْا على أرض الإسلام، أو حالوا دون انتشار دعوته”.
    ” الرد: للشيخ حسن البنا أسلوبه الخاص فى الكتابة والتفسير وفى الفتاوى، ويُعْرَف بالأسلوب المائع، إذ يترك دائماً الأبواب مفتوحة ليدخل متى شاء فى ما أراد دون أن يتقيد أو يُمْسَك، ومن آيات ميوعته أنه يقول أن القتال يكون فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، دون أن يبين أو يحدد ما هى أرض الإسلام أو الوطن الإسلامى: هل هى الحجاز فقط أم هى كل بلد من بلاد العالم يكون فيها المسلمون أغلبية أو أقلية أو متعادلين؟ وكان فى عدم تحديده لأرض الإسلام أو الوطن الإسلامى ماكراً سيئاً ليكون حرا فى إعلان القتال على من يشاء من المستضعفين من المسيحيين واليهود الذين يقوى على محاربتهم فى أى بلد كان. وكان أحرى به أن يقولها كلمة صريحة أن أرض الإسلام هى الحجاز، أى الأرض التى نشأ عليها الإسلام، أى الدين الإسلامى، وليست البلاد التى يعيش فيها المسلمون فى العالم. وسواء كانت أرض الإسلام أو وطن الإسلام هى الحجاز أم هى كل بلد من بلاد العالم يعيش فيه المسلمون، فلا يمكن العمل بما يقول به الشيخ حسن البنا بأن القتال فرض عين أو فرض كفاية على المسلمين إذا ديست أرض الإسلام أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين”.
    وأنا أسأل أى قارئ اطلع على تفسير حسن البنا: هل اشتم منه رائحة تحريض على الأقباط أو اليهود؟ وأسأل أى منصف قرأ الرد عليه: هل وجد فيه إلا التحرش والرغبة فى الاشتباك دون أدنى سبب؟ إن هذا القمص المفترى لا يريد إلا شيئاً واحداً: إبعاد الصفة الإسلامية عن مصر، واعتبار الحجاز وحده وطنا إسلاميا. أما مصر فليست وطنا إسلاميا رغم أن سكانها المسلمين فوق 92 % من جملة أهلها. ولماذا تُنْفَى الصفة الإسلامية عن مصر مع أن هذه الصفة تذكر لجعل الدفاع عنها فريضة مقدسة؟ هذا ما يُسْأَل عنه القمّص الوطنى والذين احتفلوا بذكراه بعد ربع قرن من وفاته. إن الدفاع عن مصر ضد الاستعمار العالمى ينبغى أن تهتز بواعثه وأن تفتر مشاعره!
    لقد كانت مصر وثنية فى العصور القديمة، ثم تنصر أغلبها، فهل يقول الوثنيون المصريون لمن تنصر: إنك فقدت وطنك بتنصرك؟ ثم أقبل الإسلام فدخل فيه جمهور المصريين، فهل يقال للمسلم: إنك فقدت وطنك بإسلامك؟ ما هذه الرقاعة؟! بيد أن الحملة على الإسلام مضت فى طريقها، وزادت ضراوةً وخسةً فى الأيام الأخيرة. ثم جاء “الأنبا شنودة” رئيساً للأقباط فقاد حملة لا بد من كشف خباياها وتوضيح مداها حتى يدرك الجميع: مم نَحْذَر؟ وماذا نخشى؟ وما نستطيع السكوت، ومستقبلنا كله تعصف به الفتن ويأتمر به سماسرة الاستعمار.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s