فرسان كولومبوس: جمعية إنسانية أم محفل عملاء للأعداء؟ ج 1-4

الجزء الأول (1–4)

كتب / عصام مدير* – مشرف مدونة التنصير فوق صفيح ساخن:

توطئة لابد منها

تأتي هذه التدوينة الحاقاً بالتدوينة السابقة المتعلقة بموقف بطريرك كنيسة القدس للاتين، الأب الأردني «فؤاد الطوال» من العدوان الأخير على غزة، وطعنه في مقاومتها الإسلامية، وكيله المديح لحكومة «محمود عباس»، إضافة إلى تأييده للكيان الصهيوني الذي أعلنه بكل وقاحة باسم نصارى كنيسته في فلسطين والأردن!!

ونظراً لما يحظى به بطريرك القدس من تقدير واحترام في كثير من الدوائر الرسمية العربية وإعلامياً واجتماعياً، خصوصاً في الأردن، كانت أكثر ردود فعل جمهور المتابعين لهذه المدونة نابعة من أثر الصدمة المؤلمة والاندهاش الكبير بسبب الكلام الخطير الذي أدلى به البطريرك في مقابلة تلفازية أجرتها معه قناة تنصير كاثوليكية أمريكية، نشرنا أهم ما جاء فيها من لقطات مرئية تدين هذا البطريرك المخادع والمنافق إذ وفقنا الله لكشف حقيقته بعد رصد المقابلة وتسجيلها واخراجها للناس بالصوت والصورة، «ومن فمك أدينك».

وكانت تلك «الضربة» الأولى الموجعة التي تلقاها رجل الفاتيكان الأول في الأردن وفلسطين فآثر الصمت مخزياً كأخيه الأردني المطران «غالب بدر» الذي استلم مؤخراً رئاسة أساقفة الجزائر حيث يعيث هناك فساداً ساعياً بالفتنة. وكما أوضحت من قبل صلة هذا الأخير بتنظيم «الجيش المريمي» الإرهابي المحظور في المنطقة، أسلط الضوء في هذه الأجزاء الأربعة على تنظيم كاثوليكي سري آخر انخرط فيه البطريرك «فؤاد الطوال» منذ نعومة أظفاره بعد أن تنشأ على مبادئه وأدى القسم بالولاء والطاعة لقياداته الأجنبية.

ولولا اعتراف بطريرك كنيسة اللاتين في القدس على نفسه بعضويته في جماعة «فرسان كولومبوس Knights of Columbus» الأمريكية وافتخاره بها أمام من شاهده في اللقاء التلفازي في بلاد «العم سام»، لما فهم أكثرنا تماماً السر وراء مواقفه المتناقضة مع القضية الفلسطينية وتصريحاته التي كشفنا عنها والتي لا تصب إلا في مصلحة الصهاينة وأعوانهم، لاسيما وأنه يظهر للمسلمين والعرب خلاف ما يبطن مما يكشف عنه لأعدائنا في خلواته بهم. وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول عن أهل الكتاب محذراً:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} (118) سورة آل عمران.

وليصمت «فؤاد الطوال» و «غالب بدر» ورفاقهم وأعوانهم ما شاء الله لهم ذلك، فنحن لن ننشغل بتلك الافاعي الهزيلة أو أذنابها في المنطقة بعد انكشاف أمرهم لكثيرين هنا بتوفيق من الله وفضل، ولكننا في هذه المدونة نعلنها حرباً إعلامية مفتوحة ومتواصلة طوال هذه السنة الجديدة (1430هـ / 2009م) على جحور أفاعي التنصير وتنظيماتهم السرية الكبرى، ليكون المسلمين على بينة من أمرهم وحقيقة عدوهم الخفي من الصهاينة والصليبيين الجدد، والله غالب على أمره ولا غالب لهم.

مقدمة

سمعت عن جمعية «فرسان كولومبوس» أول مرة خلال رحلة عمل صحافية لمدينة بوسطن الأمريكية ( مطلع يناير 1998م) لكتابة سلسلة تحقيقات ميدانية عن الجالية المسلمة هناك. وقد أثلج صدري آنذاك تحول أحد أندية «فرسان كولومبوس» في حي «كامبريدج» إلى مسجد ومقر «الجمعية الإسلامية في بوسطن» والتي اضطلعت مؤخراً باستكمال بناء أكبر مركز ثقافي إسلامي في قلب المدينة ومقاطعة «نيوإنجلاند» التي تضم ست ولايات في الشمال الشرقي لأمريكا.


نادي «فرسان كولومبوس» سابقاً ومسجد الجمعية الإسلامية في بوسطن  حالياً والبقية تأتي

وخلال البحث والاطلاع في المراجع المطبوعة والرقمية المتوفرة لدي باللغة العربية، لم أقف على بحث شامل أو مختصر حول هذه المنظمة إلا من نبذ مقتضبة في بعض المراجع النصرانية العربية والأخبار القليلة المبعثرة. ولعل هذه الأجزاء الأربعة في هذه المدونة تكون بحثاً أولياً عسى أن ينهل منه من أراد التوسع في هذا المبحث مستقبلاً. وإن كان ثمة دراسات سابقة لم أعلم بها فإنني أرجو شاكراً إبلاغي عنها عبر نموذج الاتصال للتنويه بها والاستفادة منها، سائلين المولى القبول والاخلاص والتوفيق.

كما لم أقف على أعضاء معروفين وبارزين لهذه الجماعة من المنتسبين للعروبة غير البطريرك «فؤاد الطوال»، ورئيس «المعهد الامريكي الكلداني»، المدعو «أسعد كلشو»، صاحب «إذاعة الشبكة المتحدة في ديترويت» والذي ما أنفك يبث من خلالها الأكاذيب حول تعرض الأقليات النصرانية وغير المسلمة في العراق لحملات اضطهاد ديني مثيراً الشبهات والافتراءات حول الإسلام لتجميل صورة الاحتلال الأمريكي وتقديم المبررات التي يحتاجها البنتاغون للبقاء في بلاد الرافدين (1). 

ومروراً باحد المنتديات، طالعت افادة أخ مسلم رمز لنفسه بـ «البيروتي»، مقيم في أمريكا، جاء فيها أنه استمع لشتائم وجهها هذا الكلداني الحاقد لشخص ومقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبر اذاعته، على خلفية الضجة التي افتعلتها محاضرة حبره بابا روما ضد الإسلام في سبتمبر 2006م [المصدر].

وفي تحقيق ميداني من أمريكا نشرته صحيفة الشرق الأوسط، أفادت المراسلة أن «كلشو» من العراقيين المهاجرين، الذين حافظوا على علاقات وطيدة مع وطنه الام، لاسيما وأن له مشاريع اقتصادية مع بغداد تجري عبر برنامج «الامم المتحدة» (2)!!


أسعد كلشو، فارس كولومبوس الكلداني في خدمة سيده جورج بوش

وقد قادني التفتيش خلف هذا العراقي المتأمرك إلى موقع «كلدايا.نت» الذي يرفع صليب وشعار «فرسان كولومبوس»!! ويعد هذا الموقع الالكتروني احدى مشاريع تعبوية دعائية ثلاثة وغيرها يرعاها «المركز الاعلامي الكلداني» التابع لـ «أبرشية مار بطرس الرسول للكلدان والآشوريين الكاثوليك» في غرب الولايات المتحدة الامريكية، وهو الموقع الناطق «باسم ابناء شعبنا الكلداني في كل ارجاء المعمورة من اقصاها الى اقصاها»، على حد تعبير المشرفين عليه.

فما هي حقيقة جمعية «فرسان كولومبوس»، وأين نشأت؟ وماهي مجالات عملها؟ وأين موضع هؤلاء الخونة من نصارى المنطقة من الاعراب على أجندة هذه المنظمة الأمريكية الكبرى؟ وهل تتقاطع أهداف هذه المنظمة مع الاستخبارات والحكومات الأمريكية؟ هل هذه الجمعية بمثابة غرفة عمليات مشتركة بين الفاتيكان و جهاز «السي آي ايه» خلف واجهة العمل التطوعي والإنساني؟ هل مهمة هذه المنظمة هي اكتشاف عملاء جدد يخدمون مصالح الأمريكان بين أبناء الكاثوليكية في المناطق التي تنشط فيها؟ هذا ما سوف نكشف عنه تباعاً بإذنه تعالى في هذه الأجزاء الأربعة مما ينشر لأول مرة.

لمحة تاريخية

شهدت مدينة «نيوهافن» بولاية «كونيتيكت» الأمريكية تأسيس منظمة «فرسان كولومبوس» في أواخر القرن التاسع عشر، سنة 1882م على يد كاهن كاثوليكي أمريكي من أصول آيرلندية يدعى «مايكل ماك غيفنايMichael J. McGivney» مع مجموعة من أتباع كنيسته الذين شكلوا المنظمة ابتداء كجمعية تعاونية لمساعدة المهاجرين والفقراء من أبناء طائفتهم الذين تدفقت موجات الوافدين منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الحقبة التي عانوا فيها من التمييز ضدهم من قبل الأغلبية الأنجلوسكسونية المنتمية لطائفة البروتستانت ذات العداء التاريخ والدموي مع الكاثوليك والفاتيكان.

وكان لشخصية هذا القسيس (3) العصامية والمثابرة – بحسب ما يُحكى عنه، وللنجاح الباهر الذي حققته جمعيته التعاونية في سنواتها الأولى، أثرهما الكبير في النقلة النوعية التي حققها «فرسان كولومبوس» مع بدايات منتصف القرن العشرين لعدة عوامل أمريكية داخلية ومتغيرات دولية ساعدتهم في ذلك.

ويراهن أعضاء هذه الجمعية اليوم على نقلة نوعية أخرى أكبر من سابقتها ترفع من أسهم جمعيتهم الكاثوليكية الأكبر في حال اتخذ الفاتيكان قراره بخلع لقب «قديس» على الأب الروحي المؤسس لهذه الجماعة، التي حشدت طاقتها وحملاتها مؤخراً في سبيل استصدار هذا القرار قريباً، ليصير أول قسيس أمريكي المولد والنشأة يحصل على هذا «المقام الرفيع» في تاريخ الكنيسة، مما سينعكس بدوره على أرصدة منظمته وأسهمها داخل وخارج الولايات المتحدة.

 

 

الصورة العامة

وبعد مرور 129 عاماً على تأسيسها، تعتبر جمعية «فرسان كولومبوس» اليوم الذراع اليمنى لدولة «الفاتيكان» وأحدى أقوى تنظيماتها وأهم جمعياتها السرية حول العالم، والتي تضم في عضويتها مليون وثلاثة أرباع مليون نصراني، منهم رؤساء دول وقادة وسياسيين من أمثال الرئيس الأمريكي الراحل «جون كينيدي»، وقضاة في المحكمة العليا وفنانين ورياضيين من المشاهير.

ورغم نشاط المنظمة الواضح في «التبشير» بالتعاليم الكاثوليكية، أو التنصير بعبارة أدق، فإنها تلبس مسوح العلمانية كواجهة سياسية واجتماعية للتغطية على أجندتها الدينية المتطرفة من أجل استقطاب غير المتدينيين من الكاثوليك وسائر النصارى واستغلال قدراتهم وتوظيف طاقاتهم بما يعزز أولاً مكانة أبناء الطائفة ويرفع من شأنهم على مختلف الأصعدة، وي أمريكا على وجه الخصوص، وبما يخدم ثانياً مصالح الفاتيكان ومؤسساته الكهنوتية التابعة له حول العالم. وليس أدل على هذا مما جاء في رسالة بابا الفاتيكان الحالي إلى المشاركين في أعمال المؤتمر السنوي الـ125 لمنظمة «فرسان كولومبوس» والتي قال فيها:

فتش عن الفاتيكان

إن ارتباط هذه المنظمة بالفاتيكان وخضوع قياداتها التام لسلطة بابا روما، وأدائهم قسم الولاء والطاعة العمياء له، يكفي لإدانتها بالعداء للإسلام وأهله، نظراً لما للكرسي البابوي من سجل أسود حافل بالجرائم الشنيعة ضد أمتنا وديننا الحنيف والجاليات المسلمة، منذ عصر الدعوة الإسلامية الأول والحروب التي خاضها الصحابة الكرام لدرء خطر الروم وعدوانية كنيستهم الدموية البغيضة، مروراً بـ «الحروب الصليبية» و«محاكم التفتيش» الأسبانية بعد سقوط الأندلس، و«الاستعمار» الحديث، وحملات التشويه الإعلامي والتنصير المعاصر، وحركات اللاهوت الانفصالية المسلحة في عدد من الدول الإسلامية مثل «تيمور الشرقية» في أندونيسيا، وجنوب السودان، وصراع الكروات الكاثوليك ضد المسلمين في البوسنة، والحرب الأهلية اللبنانية التي أشعلها «جيش الكتائب» النصراني المتعصب والذي ما زال يحلم بوطن «مسيحي» خالص في لبنان، ومجزرة «صبرا وشاتيلا» التي ارتكبها في مخيمات الفلسطينيين، وكذلك في الأردن عبر منظمة «الجيش المريمي» المحظورة التي كانت تعد لانقلاب كبير ضد الأسرة الهاشمية أواخر الستينات الميلادية…. الخ…

يكفي ذكر اسم أكبر تنظيم ارهابي اجرامي في التاريخ ألا وهو «الفاتيكان» لكي نعلم مسبقاً حقيقة كل منظمة ترعاها هذه المافيا الكهنوتية الأكبر وعصابتها من باباوات روما وقساوستهم الفاسدين حول العالم. فإذا كان هذا هو غيض من فيض تاريخ هذه المنظمة الأم ضد الإسلام، فإن كل شجرة خبيثة لابد وأن تطرح أثماراً فاسدة بالضرورة، وهذا ما ينطبق على «فرسان كولومبوس»، ولاعتبارات وقرائن أخرى كثيرة متعلقة بهذه الجماعة السرية مما سوف نسلط عليه المزيد من الأضواء الكاشفة لاحقاً بإذنه تعالى (5).


بابا الفاتيكان مع «كارل أندرسون»، زعيم منظمة «فرسان كولومبوس»

 

خلال السنوات المائة والخمس والعشرين الماضية أجاب «فرسان كولومبوس» بـ”نعم” على دعوة الله لهم، ليضطلعوا بدور رئيسي في حياة الكنيسة. فالرسالة الموكلة إلى المؤمنين العلمانيين تكمن في إعلان الإنجيل [كناية عن التنصير] وحمل الأشخاص الذين ابتعدوا عن الكنيسة على العودة إلى أحضانها. ورسالة العلمانيين تتطلب القيام بأعمال محبة كالاعتناء بالفقراء والمرضى والمتألمين وكل شخص محتاج، على غرار ما فعل مؤسس فرسان كولومبوس الأب مايكل ماك غيفني، وتتطلب رسالة العلمانيين أيضاً الشهادة للزواج المسيحي وللحياة العائلية المسيحية اللذين يبدّلان المجتمع من الداخل. بهذه الطريقة ساهمت جمعية «فرسان كولومبوس» في بناء ملكوت الله على الأرض، وإني لواثق بأنكم لن تتقاعسوا أبداً عن وضع طاقاتكم في خدمة الكنيسة لتؤدي رسالتها على أكمل وجه في كل ظرف ومكان (4).

فلا عجب أن تضع المنظمة صورة لبابا روما ملوحاً بيده في أعلى الصفحة الأولى بموقعها الألكتروني الرسمي مصحوبة بعبارة: «اتبعوا البابا وانضموا إلينا لتلبية دعوته!».

 

 

خارطة انتشار المنظمة

تتحرك الجمعية تحت غطاء العمل التطوعي والإغاثي في العديد من دول العالم الثالث وخصوصاً في المناطق التي تضم أتباعاً لطائفة «الكاثوليك» كي تعزز وتقوي وجودهم وصولاً إلى التمكين لهم للسيطرة على مقدرات ذلك البلد أو تقرير مصيره حتى يتبع روحياً سلطة بابا روما.

ورغم كل القضايا المثيرة للجدل وعلامات الاستفهام والريبة التي تحيط بجماعة «فرسان كولومبوس»،  فقد تمكنت من تدشين فروع كثيرة تعرف بـ «المجالس»، حتى بلغ عدد هذه المجالس دولياً أكثر من 13 ألف مجلس في كل ولاية أمريكية وبكل مقاطعة بكندا والمكسيك وكوبا وبنما وجزر الباهاماس وجواتيمالا وجمهورية الدومنيكان وبورتريكو وجزر جوام والفلبين وبولندا، ودول أخرى. هذه بعض أبرز الملامح الظاهرة لأكبر جمعية تعاونية دينية في العالم، تقوم بتدوير واستثمار أموال أعضائها المشتركين في برامجها للتأمين بما يعود عليها وعلى الكنيسة الكاثوليكية وعلى أتباعها بالنفع… وهي بذلك تحولت إلى عصا سحرية يتوكأ عليها الفاتيكان في تحسين صورته، يهش بها البابا على خراف كنيسته (11)، وله فيها مآرب أخرى… ولكن ماهي؟

 

جدير بالذكر أن عضوية الجماعة القيادية تقتصر على الذكور فقط من عامة أبناء الطائفة الكاثوليكية، وهو المبدأ الذي ما زالت تسير عليه المنظمة إلى اليوم مما عرضها لحملات انتقاد واسعة من التنظيمات النسوية وجمعيات مناهضة التمييز ضد المرأة في الغرب. ولذلك قررت المنظمة منذ عدة سنوات تأسيس منظمة رديفة ومستقلة تماماً للإناث فقط تعمل وفق برامج «فرسان كولومبوس» ولكن تحت اسم وشعار مختلفين.

كما لاحقت المنظمة اتهامات عدة بميول عنصرية تنحاز إلى النصارى من العرق الأبيض دون الأفارقة الأمريكان أو غيرهم من «الملونين» والأعراق الأخرى. ومما هو معروف عن الجمعية مناهضتها المعلنة للشذوذ الجنسي رغم صدور تقرير فاضح كشف عن انخراط العديد من الشاذين والسحاقيات في صفوف المنظمة وعلى رتب «فروسية» عليا (6). فرسان للصليب نهاراً وفرسان مؤخرات ليلاً!! وحدث عن اختراق الشذوذ للكنيسة ومؤسساتها، ولاحرج!

مجالات عمل المنظمة

تقوم منظمة «فرسان كولومبوس» بأنشطة لافتة للنظر فى تعزيز ونشر تعاليم الكنيسة من خلال دعم برامج «التعليم الكاثوليكي» وتوفير فرص مواصلة التعليم والسكن الملائم للأيتام الكاثوليك وغيرهم من الذين يتم تنشئتهم على الكثلكة، مثلما فعلت الجمعية مع بطريرك كنيسة اللاتين في القدس، الأب الأردني «فؤاد الطوال» والذي ما زال يدين لها بالفضل والتبعية[شاهد اعترافه بفلم على هذا الرابط].

كما تقوم المنظمة بتقديم المنح الدراسية في الكليات الكاثوليكية، وتقدم محاضرات «علمية» عن «المذهب» الكاثوليكي لغير الكاثوليك في الأوساط الأكاديمية من أجل تحسين صورة كنيستهم حول العالم. ففي عام 1904م قدم «فرسان كولومبوس» خمسون ألف دولار أمريكي الى الجامعة الكاثوليكيه في واشنطن لتأسيس كرسي الدراسات التاريخية بها بالاضافة الى عدة الاف من الدولارات لاغراض المكتبة. وتشارك المنظمة في الوقت الحاضر في جمع مبلغ نصف مليون دولار تخصص للانفاق على 50 منحة دراسيه في الجامعة.

إن الاهتمام بالبرامج التعليمية هو أكثر ما يميز توجهات المنظمة والتي تهتم كذلك اهتماماً بالغاً بطباعة الكتب التنصيرية، التي تروج للكاثوليكية، وايداعها المكتبات العامة بعد تقديم الدعم المالي لها بل وقامت بانشاء مكتبات عامة مخصصة للقراءة المجانية في كافة المدن الأمريكية وخارج الولايات المتحدة حيث تنشط هذه الجماعة (7).

لاحظ «فرسان كولومبوس» تزايد الاهتمام بالإسلام داخل أمريكا وخارجها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فأصدروا كتباً ظاهرها التعريف بالإسلام لأتباعهم من الكاثوليك وباطنها السم الزعاف من الافتراءات والمطاعن ضد الدين الحنيف وشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ونشروا تلك الكتب في المكتبات العامة والمدارس والجامعات بكل سبيل لقطع الطريق على مطبوعات الدعوة. وهذه صورة غلاف من مطبوعاتهم المسيئة للإسلام.

ويقوم «فرسان كولومبوس» بتقديم المساعدات المادية العاجلة لمتضرري الكوارث والحروب ولكن تحت اشراف كاثوليكي مباشر لضمان استغلال حاجات المنكوبين لتنصيريهم أو لاستمالة عواطفهم للنصرانية والكاثوليكية ولتسجيل مواقف ايجابية ضمن برامج علاقاتها العامة في نفسيات الآخرين. ففي حرب لبنان الأخيرة في صيف 2006م، أعلنت المنظمة عن تخصيص مساعدة مادية بقيمة مائة ألف دولار أمريكي للمدنيين اللبنانيين الذين تهجروا نتيجة عدوان الكيان الصهيوني على بيروت والجنوب اللبناني. وأعلنت الجمعية أن هذا المبلغ سيُسلم لهيئة «كاريتاس لبنان»، التي ستُشرف على توزيع المساعدات الإنسانية على المحتاجين، وهي الذراع التنصيري للفاتيكان في لبنان حيث تعمل «كاريتاس لبنان» تحت غطاء العمل الإنساني والاجتماعي لاستغلال حاجات الفقراء والمنكوبين (8)، (9).

كما تعتبر الجمعية الأمريكية منظمة ذات ريادة وتفوق في ميدان العمل التطوعي، إذ بلغ عدد ساعات ورش عمل المتطوعين من أعضائها حوالي 612 مليون ساعة عمل في «مشاريع خيرية». علاوة على ذلك، قدم «فرسان كولومبوس» ما يزيد على المليار وربع مليار من تبرعات أعضائهم المادية في السنوات الأخيرة.

لكن أهم ما يميز عمل المنظمة تفوقها في مجال خدمات التأمين التعاوني بمبالغ وصلت مؤخراً إلى أكثر من 60 مليار دولار أمريكي في هذا الميدان، إذ تقدم الجمعية برامج التأمين الصحي والتأمين على الحياة ومختلف برامج التأمين بحيث ارتفعت حصصها من مبيعات بواليص التأمين التي تقدمها في عام 2004م إلى 19 في المائة، وهي النسبة التي تشكل وحدها ثلاثة أضعاف معدل النمو في هذا القطاع الخدماتي الحيوي، حتى برز اسم جمعية «فرسان كولومبوس» كمنافس قوي لشركات التأمين التجارية  في الولايات المتحدة الأمريكية!! (10).

 

للحديث بقية بإذنه تعالى…

فرسان كولومبوس
فرسان كولومبوس بزيهم الخاص يؤدون قسم الولاء للفاتيكان تحت صورة ترمز للمسيح

 

هوامش الموضوع:

 

(1) خبر: عضو مجلس الشيوخ الامريكي كارل ليفن في محاضرة حول اوضاع الاقليات في العراق في ديترويت، موقع مجلة طيباين (تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية)، 11 أكتوبر 2007م [رابط المصدر].

(2) تحقيق: اللاجئون العراقيون في ديربورن لا يثقون بواشنطن رغم تأييدهم للإطاحة بصدام، صحيفة الشرق الأوسط، 3 يناير 2003م [رابط المصدر].

(3) لنا عودة لتأثير تعالم جماعة «اليسوعييين» السرية على فكر مؤسس «فرسان كولومبوس» بمزيد من التفصيل في بقية الأجزاء بإذنه تعالى.

(4) إذاعة الفاتيكان – الموقع العربي، [رابط مصدر غير مباشر].

(5) للاستزادة حول جرائم الفاتيكان القديمة والمعاصرة بحق المسلمين، أنصح بكتابات الدكتورة زينب عبدالعزيز، والدكتور محمد عمارة، والدكتور عبدالودود شلبي رحمه الله. كما يمكنكم متابعة الجديد من الوثائق والتقرير التي تدين بابا روما في قسم مخصص باسم «فضائح الفاتيكان» بهذه المدونة.

(6) Concerned Roman Catholics Call on Knights of Columbus to Expel Pro-Abortion Politicians, Freerepublic.com, August 5, 2008 [رابط المصدر]

(7) Knights of Columbus, From Wikipedia, last modified on 21 January 2009 [المصدر]

(8) جمعية فرسان كولومبوس تقدم مساعدة مادية للبنانيين بقيمة مائة ألف دولار، موقع إذاعة الفاتيكان العربي، 4 أغسطس 2006م

(9) من المفارقات المضحكة المبكية أن يستقبل البطريرك الماروني «نصر الله صفير» وفداً من مؤسسة «كاريتاس لبنان» شكره على الهبة التي حولها اليه والتي كان قدمها الامير «الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود» الى البطريرك الماروني، والبالغة قيمتها مليون دولار لانفاقها على مشاريع اجتماعية مختلفة [صحيفة الشرق الأوسط 15 أكتوبر 2004م، رابط المصدر]!! وهكذا اشترك الأمير السعودي من حيث يعلم أو لا يعلم مع جماعة «فرسان كولومبوس» المشبوهة في تكليف منظمة التنصير اللبنانية بانفاق أموالهم كيفما تشاء على مشاريعها فوق الأرض اللبنانية: في الأحياء السنية المهمشة والفقيرة، وما أكثرها في بيروت وحدها، نتيجة الحرب الأهلية، ووسط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين… وكأن الأرض ابتعلت كافة المؤسسات الخيرية الإسلامية اللبنانية والسعودية والدولية معاً إلا من «منظمات بنات عجرم وأخواتها»… فهل جزاء الرقص والرفس وتعري «صبايا الكنيسة» في غنائيات قنوات «روتانا» التي يملكها الأمير إلا «الاحسان»؟ لعلها بضاعتهم ترد إليهم…أو تشابهت قلوبهم؟!

 

(10) Knights of Columbus – – is at http://mb-soft.com/believe/txn/knightco.htm last updated on 09/06/2008

(11) تعبير «خراف الكنيسة» هو من قاموس مصطلحات النصرانية وليس إساءة مني لعموم النصارى هداهم الله، فهكذا يصفهم قساوستهم وهم بين أيديهم ولا يغضب منهم واحد لآدميته! فالحمدلله أن جعلنا عبيداً له وحده في الإسلام، أحيانا الله وأماتنا على هدي دينه الحنيف وسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم.

6 responses to “فرسان كولومبوس: جمعية إنسانية أم محفل عملاء للأعداء؟ ج 1-4

  1. تطوير الإسلام بالأمريكانى بقلم: الكاتب المصري د.ابراهيم عوض
    ________________________________________

    كثر الكلام فى الآونة الأخيرة عن تخطيط أمريكا وعزمها على التدخل فى حياتنا الدينية بل عن بدء هذا التدخل فعلا بُغْيَةَ تغيير ” الخطاب الإسلامى ” بما يتمشى مع أوضاع العصر وقيمه كما تفهم أمريكا ( والغرب بوحه عام ) هذه القيم، وفزع المسلمون كالعادة من مثل هذا التدخل واعترضوا عليه ، وإن وقف اعتراضهم كالعادة أيضا عند حدود الكلام ، الذى لا يستطيعون فى العادة أن يفعلوا شيئا غيره ، إذ الأمور تجرى فى بلادهم عادة على قاعدة استبداد حكوماتهم بالأمر دون أن يكون لهم رأى يُرْجَع إليه أو يُؤْخَذ به . وأخذ مسؤولوهم كالعادة أيضا ينفون بقوة وقوع أى شىء من هذا التدخل مؤكدين أن التغيير المزمع إحداثه هو تغيير نابع من اقناعهم لما شعروا به من حاجة الخطاب الإسلامى إلى التغيير،

    فهم إذن حين يفعلون هذا إنما يصدرون عن رغبة فى الإصلاح تحتاجها أوضاعنا المعوجة منذ زمن طويل بغض النظر عن تصادف البدء فى هذا التغيير مع رغبة أمريكا التى تجرى فى فى ذات الاتجاه ! ومنذ أيام نبهنى أحد الأصدقاء من الصحفيين إلى كتاب صادر عن ” المكتب المصرى
    الحديث ” بالقاهرة من ترجمة د. محمد يحيى أستاذ الأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة بعنوان ” خطة أمريكية لتحديث الدين الإسلامى ” قائلا إنه كتاب مهم جدا ، إذ يعطينا فكرة واضحة عما تريده أمريكا من وراء رغبتها فى التدخل لتغيير مفاهيمنا الدينية . والكتاب عبارة عن دراسة وضعتها إحدى المؤسسات الأمريكية تدعو فيها إدارةَ بلادها كما يقول المترجم فى مقدمته لها ” ألا تقف مكتوفة الأيدى أمام التفاعلات الاجتماعية التى تعصف داخل الوطن العربى بل تسعى للتمييز بن الطوائف المختلفة وإزكاء التباعد بينها . ليس فقط الطوائف الدينية أو العرقية ، وإنما الاتجاهات السياسية التى لم تعد تتمايز بعدُ فى أُطُرٍ حزبية داخل المنظومة السياسية المتخلفة فى الوطن العربى “. و” تقوم الدراسة بتحديد اتجاهات أصولية ، وأخرى دينية تقليدية ، وأخرى دينية إصلاحية ، وأخرى حداثية ، وأخرى علمانية ، وتضع حدودا واضحة تبين مواقف الطوائف المختلفة من القضايا المحورية كالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المرأة فى العمل العام وتعدد الزوجات والحدود وحقوق الأقليات فى المجتمع المسلم ومكانة الحجاب وغير ذلك ” . واستباقا لما ورد فى التقرير من رأى الجهة التى أصدرته فى الموضوعات التى يع الجها أحب أن أصارح القارئ من الآن بأنهم يريدون من المسلمين التخلى التام عما يقوله دينهم بشأن الحجاب وتعدد الزوجات وتطبيق الحدود … إلخ . كما تقوم الخطة التى يدعو إليها واضعو التقرير على ضرب الطوائف الدينية الإسلامية بعضها ببعض عن طريق تقريب هذه الطائفة أو تلك فى وقت معين للانتفاع بموقفها أو رأيها الذى ترى الإدارة الأمريكية أنه يتطابق أو يقترب مما تريده فى القضية المطروحة ، حتى إذا ما تم التغيير المزمع إحداثه انقلبت أمريكا عليهم وركلتهم ركلتها المعروفة ، ثم استدارت لغيرهم تستعين بهم إلى أن تنال لبانتها منهم فتركلهم بدورهم بحذائها الذى لا يرحم ولا يعرف للوفاء ولا لتقدير الجميل معنى … وهكذا دَوَالَيْك ! وإن الإنسان ليتساءل : بأى معنى تتدخل أمريكا فى ديننا يحيث ترى من حقها أن تغيره وأن من واجبنا أن نصيخ لما تقول ونسمع له وننفذه دون أدنى اعتراض ؟ وهل يمكن قانونا أو عرفا أو خلقا أن تتدخل دولة فى دين شعب آخر دون أن يطلب منها هذا الشعب أو ممثلوه الشرعيون مثل ذلك التدخل ؟ والجواب : أن أمريكا إنما تتدخل هنا بحق قوة السلاح . نعم بحق قوة السلاح ، وهذ حقيقة لا يمكن أحدا أن ينكرها، فلو لم تكن أمريكا قوية بقنابلها ومدافعها وطائراتها وبوارجها ودباباتها وصواريخها ومدرعاتها وأجهزة اتصالاتها ومخابراتها وميزانياتها ومواردها الاقتصادية وعلومها واختراعاتها وصرامة نظامها وتخطيطها وصبرها الطويل وطموحها لسيادة العالم ومثابرتها على تحقيق ما تصبو إليه وتجهيز البدائل المختلفة مقدما وعدم الانتظار إلى الوقت الضائع على طريقتنا ، حتى إذا ما سُدَّ فىوجهها طريق استطاعت أن تجد فى الحال أو فى الوقت المناسب على أقل تقدير طريقا آخر… نعم ، لو لم تكن أمريكا قوية بهذه الطريقة وإلى هذه الدرجة لما استطاعت ، بل لما فكرت مجرد تفكير ، بل لما خطر لها أصلا أن تتدخل فى حياتنا وفى أخص خصائص أمورنا على هذا النحو العارى الجلف الوقح الذى لا يدور فى ذهنه أن يتجمل أى قدر من التجمل . وعلى هذا الأساس فلو أردنا أن نكفّ أمريكا عن مثل هذا التدخل فليس أمامنا إلا أن نكون أقوياء : أقوياء إلى الحد الذى يردعها عن هذا التصرف حيالنا والاستهتار بنا وبشؤوننا وبديننا والاحتقار الهائل لنا. وليس شرطا أن نكون فى نفس قوة أمريكا الآن ، فهذا ، كما لا أظنه يخفى على أحد ، من الاستحالة بمكان ، وإنما يمكن أن نردعها ونلزمها حدودها لو رأت أن مثل هذه التصرفات التى تمارسها معنا سوف تكل فها غاليا. وذلك عن طريق الاستغناء عنها قدر المستطاع ، وعن طريق الاستعصام بعزة النفس وعزة الدين ، وعن طريق الصلابة والقدرة على الصمود فى وجه مخططاتها، وعن طريق المقاومة المسلحة ، وعن طريق تلاحم الشعوب مع حكوماتها وغيرة الحكومات على مصالح شعوبها واحترامها لها، وعن طريق الشورى ، وعن طريق العلم والثقافة والعمل الجاد والإنتاج والإبداع فى كل المجالات ، وعن طريق الإقلال من الكلام الفارغ الذى لا يُجْدِى أىّ جدوى والإكثار من العمل، وعن طريق التنبه للعملاء الذين ينتقيهم أعداؤنا من بيننا كى يبثوا التخذيل فى صفوفنا ويدعونا إلى الاستسلام لهم ويعملوا على نشر أفكارهم وقيمهم ويشككونا فى ديننا وتاريخنا ورموزنا، وكذلك عن طريق الوحدة بين الأمم العربية والإسلامية . وهذه النقطة الأخيرة فى منتهى الأهمية ، فالغرب إنما يرمينا عن قوس واحدة مهما بدا الأمر لنا أحيانا غير ذلك ، إذ هو يتصرف نحونا بوصفنا أعداءه الألداء الذين لا يمكن له أن يمارس السيادة القاهرة على العالم إلا إذا محانا لو استطاع ، او على الأقل قهرنا ومسح بنا الأرض مسحا. وإيانا أن ننخدع بموقف بعض الدول الغربية حينما يبدو من هذا السياق أو ذاك أنها تعارض سياسات بعضها الآ خر تجاهنا، فليس مَثَلُها فى هذا إلا كاللص الذى يعادى لصا آخر حين يراه يعتدى على ضحية من الضحايا، وهو لا يقصد أن يكفّه عن هذا العدوان بوصفه ظلما لا يجوز ، بل يعاديه لأنه يرى نه أجدر منه بسرقة هذه الضحية، وبقتلها كذلك إذا لزم الأمر كى يستمتع بما يسلبها إياه ! هذا هو وضع الغرب معنا ، وهذا هو السبيل الذى يجب أن ننتهجه إذا أردنا أن تكون لنا قيمة فى سوق العلاقات الدولية ولا نكون هَمَلا كالبهائم التى ليس لها صاحب يسأل أو يدافع عنها . إذن فالقوة هى السند الذى يركن إليه الأمريكان فى تدخلهم فى أخص شؤوننا. ومنذ قديم الزمان، والقوة فى عالم العلاقات البشرية هى التى تقرر ما يمكن وما لا يمكن . أما ما يقال من أن الحق يغلب القوة فهو كلام فارغ لا قيمة له فى دنيا البشر . إن الحق فى حد ذاته لا يمثل شيئا فى عالم الصراع ، اللهم إلا إذا ألهم أصحابه الصمود والكفاح ودفعهم إلى بذل الجهد من أجل الحفاظ عليه أو استرداده إذا كان قد اغتصبه منهم مغتصب . أما بدون ذلك فقيمته صفر ، وإلا فهل أغنى مثلا حقُّ الهنود الحمر عنهم شيئا أمام عوامل القوة الكثيرة التى تفوَّق عليهم بها الأوربيون عندما غَزَوْهم فى عُقْر ديارهم من وراء بحر الظلمات ؟ وذلك رغم أن الهنود الحمر لم يتقبلوا مصيرهم دون أن يقاوموا ويقاتلوا بشراسة ، إلا أن ميزان القوة كان فى صالح الأوربيين ، ولم يستطع أصحاب الحق أن يعدلوه لصفهم ، فما بالنا لو أن أصحاب الحق قد استسلموا منذ أول الأمر للباغين دون أن يثبتوا أنهم رجال ذوو كرامة وكبرياء كما وقع من كثير من المسلمين فى هذا الزمن العجيب ؟ ومع ذلك فالحق فى هذه الحالة ليس إلا عاملا واحدا من عوامل القوة ، ومن ثم فإذا رفدته عوامل أخرى كان بمكنة أصحابه أن يحرزوا أهدافهم كلها أو بعضها حسب الظروف ، أما بغير ذلك فكلا وألف كلا ! ولهذا لم يقل المولى سبحانه وتعالى فى قرآنه المجيد : ” كم من فئة ضعيفة غلبت فئة قوية ” بل قال : ” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ” . ولعل هناك من ينبرى قائلا : ألا تغلب البعوضة، على ضعفها ، الإنسان بل الأسد نفسه رغم قوته وبطشه ؟ والجواب هو أن البعوضة أمام ضربة كف من الإنسان مثلا ضعيفة أشد الضعف ، إذ تستطيع ضربة الكف أن تقضى عليها فى غمضة عين ليس إلا ، لكنها تنقلب قوية غاية القوة إذا تمكّنت من صاحب الكفّ ونقلت إليه مكروبا أو فيروسا عن طريق لدغة من لدغاتها القاتلة ! وكيف لا تكون القوة هى الفيصل فى الغلبة والتفوق ، ومن صفات الله ” القوى المتين ” ؟ ثم أليس لله سبحانه المثل الأعلى فى السماوات والأرض مما يوجب علينا أن نسعى نحن أيضا لامتلاك عناصر القوة حتى نكون على صورته عزَّتْ قدرَته كما أراد لنا أن نكون حين خَلَقَنا ؟ وعلى هذا فإذا أردنا فعلا ، لا مجرد شقشقة لسان ، أن نكون مالكين لمصائرنا وأن تكون القرارات التى تتعلق بمستقبلنا ومستقبل بلادنا من صنع أيدينا، فليس من سبيل أمامنا إلا القوة : نكتسبها إذا لم تكن متاحة لنا ، أو نحافظ عليها إذا كانت فى حوزتنا. ولا شك أن الناظر فى أحوال العرب والمسلمين فى هذه اللحظة التاعسة البائسة من تاريخهم لن يسره بحالٍ ما يراه من هذه الأحوال :
    فالكسلُ والبلادة والكذبُ والنفاق وقلة الصبر وكراهيةُ العملِ والعجزُ عن الإتقانِ والشعورُ بالهوان والرضا بالمذلة والانسحاقُ أمام الغرب هو سيد الموقف ، كما أننا لا نحاول صادقين الخروج من هذه الدائرة الجهنمية أبدا، بل نبذل كل ما نستطيع وما لا نستطيع من حجج واهية من أجل الدفاع عن أنفسنا والاعتذار بالظروف غير المواتية وقلة الإمكانات ، وكأن الظروف تصنع نفسها بنفسها، أو كأن الإمكانات تهبط على البشر من الفضاء الخارجى فى ظلام الليل ، ناسين أو بالأصح متناسين أن البشر إنما هم الذين يصنعون فى العادة إمكاناتهم إذا شاؤوا أو يفرّطون فى هذه الإمكانات حتى لو كانت السماء قد وهبتهم إياها فى غفلة من الزمان كما هو الحال فى حالتنا الآن ، إذ أفاض الله على العرب من خيراته وألطاف كرمه ما لم يكونوا يحلمون به ولا فى المنام ، ومنه نعمة البترول التى لم نستطع أن نستغلها كما ينبغى أن يكون الاستغلال ، بل كانت فى غير قليل من الأحيان وبالا علينا وشرا مستطيرا !
    وسبيل القوة ، كما يراه المسلمون المتمسكون بدينهم ، هو العلم والعمل والإتقان والكرامة والحرية والعدل الاجتماعى والتعاون والمساواة وسيادة القانون والذوق الراقى والحساسية العقلية والنفسية وصلابة الأخلاق ، ومن قبل ذلك العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج انطلاقا من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لا كأساس للجدال والشقاق كما هو مشاهد الآن بين كثير من المسلمين الذين أصبحوا كلهم بقدرة قادر مفتين متضلعين من الفقه وعلم الكلام ، بل كأساس للعمل والتجويد والخوف من الله ومن حسابه الشديد الذى لا يفلت شيئا دون أن يؤاخذ عليه ، اللهم إلا كان لنا فيه عذر من ضعف قاهر أو ظرف كاسر! ومن سبيل القوة أيضا اليقظة والتنبه لما يحيكه لنا أعداؤنا ومن يوالونهم من بين ظهرانَيْنا ممن يشاكلوننا لسانا وسَحْنة وموطنا ، لكنهم يخالفوننا قلبا ومنزعا وضميرا باعتزازهم بأعداء البلد والدين والأمة وركونهم إليهم وضلوعهم معهم ، وإذا فوتحوا فى شىء من ذلك كان جوابهم : إنما نحن مصلحون . وما هم فى الحقيقة بمصلحين ، بل هم المفسدون ، وأى مفسدين ! وقد ضَرِىِ المنافقون بيننا هذه الأيام النحسات ولم يعودوا يبالون كثيرا كما كانوا يصنعون من قبلُ أيام َ أن كان لا يزال هناك بقيةٌ من كرامة وعزة فى الأمة ، وشىءٌ من الخشية فى قلوب أولئك المنافقين ، فهم يرون أن الغلبة قد تمت لأعداء الملة والوطن وانتهى الأمر، وهم لا يستطيعون أن يؤمنوا بشىء أصيل من عند أنفسهم بل يميلون كل مَمِيلٍ مع ريح الأعداء الأقوياء . ويوم تكون لنا الغلبة من جديد فلسوف يدخلون أَوْجِرَتهم كالكلاب الضارعة الجبانة التى فقدت صاحبها والبيت التى كان يكنها فانخلعت قلوبها ولم يعد هناك ما تتحالى به أو أمامه ! هذا هو السبيل لامتلاك القوة ، أما تضييعُ الوقت والجهد فى التفاهات والشكليات ومحاولة تفصيص الشعرة ، واستعراضُ العضلات فى ميدان التقعر والتفيهق الذى حذّرَنا منه وبغّضَنا فيه سيدنا رسول الله ، والتباهى بالتشدد فيما لا يقدم ولا يؤخر ، فهو عَرَضٌ من أعراض التخلف ودليل على أن أصحابه مرضى يعانون من ضعف فى دينهم وأخلاقهم ، وليس من شأنه أبدا أن يرفع أمة من حضيضها أو ينتشل فردا من الوهدة التى تردى فيها ، وإن حسب التافهون المتحذلقون أنهم يحسنون بعملهم هذا صنعا.
    وما مَثَلهم فى أمرهم ذاك إلا كمَثَل رجل ضرب أعداؤه حول بيته حصارا يبغون قتله وتدمير داره ، على حين يضيع هو وقته وجهده فى تتبع نملة صغيرة رآها تسير بجوار أحد الجدران الداخلية للبيت والسعى الملحاح لتصنيع مادة سامة للتخلص منها ، غافلا عما يدبره له الأعداء المحيطون به لاقتطاف رأسه والقضاء على كل ما يمت إليه من بنيان أو ذرية بصلة ! إن مثل هذا الاهتمام بالشكليات فى ذلك الوقت العصيب الذى تمر به أمة الإسلام الآن من شأنه أن يضيع الشكليات والأساسيات تضييعا ، فلا يبقى من الدين لا رسم ولا شكل ولا روح ولا مضمون !
    وتعترف أمريكا فى هذه الوثيقة بأنها تدعم العلمانيين والحداثيين وترى فيهم رجالها الذين تعلق عليهم آمالها فى تحقيق ما تصبو إليه من ضرب الإسلام فى مقتل حسبما يوسوس إليها شيطانها ! والحداثيون ، حسبما تعرضهم الدراسة ، لا يؤمنون بمحمد ولا بقرآنه ، وإن كنت أرى أنه لا فرق فى كثير من الحالات بينهم وبين العلمانيين ، إذ إن توزيع الأدوار هو السبب فى تظاهر كثير من هؤلاء الأخيرين بأن كل ما يبغونه هو عدم تدخل الدين فى السياسة والاقتصاد والقوانين المدنية والجنائية وما إلى ذلك ، وأنهم حريصون على عبادات الإسلام وقيمه الأخلاقية واستمداد قوانين الأحوال الشخصية من نصوص الكتاب والسنة . وأمريكا تعترف جهارا نهارا بأنها تغدق على الفريقين الأموال الطائلة وتعمل كل ما فى جهدها لتلميعهم وتسليط الضوء عليهم وإعلاء شأنهم ونشر فكرهم وإصدار كتبهم ومنحهم الجوائز ودعوتهم إلى مؤتمراتها ومؤتمرات من يوالونها ويأتمرون بأمرها … إلخ مما نبهنا ونبه غيرُنا مرارا إليه ، فكان هؤلاء العملاء ومن يجرى معهم فى نفس المضمار يجيبوننا قائلين : ” يا عجبا لكم ولطريقتكم فى التفكير ! ما بالكم لا تريدون أن تتخلصوا من سلطان نظرية المؤامرة “، ثم يذهبون فيتفيهقون علين ا ويعطوننا دروسا بليغة فى وجوب إحسان الظن والإقلاع عن الشك السخيف الذى من شأنه أن يُضِلّ صاحبه عن الرؤية الصحيحة ! ولا أدرى ماذا يمكن أن يقوله هؤلاء الأوغاد الآن، وقد انكشف المستور، وأصبحت المسألة ” على عينك يا تاجر ” ؟ أَوَقُلْتُ : ” لا أدرى ” ؟ الحق أننى أخطأت خطأ فاحشا حين قلت هذا ، إذ الواقع أننى أدرى تمام الدراية ما يقوله هؤلاء الخائنون ! ولا يرجع هذا لعبقرية فىَّ بقدر ما يرجع إلى أنهم قد خلعوا ، كما أشرت من قبل ، برقع الحياء بظنهم أن الكون قد دانت أموره للغرب المجرم وزعيمته أمريكا إلى الأبد ، وأن عجلة الزمان لن تدور فى اتجاه غير الاتجاه الذى يسير فيه هذا الغرب على حسب ما يأفك به كتّابه الذين يعملون على تحطيم روحنا المعنوية مؤكدين فى صفاقة فكرية عجيبة أن التاريخ قد توقف عند هذه اللحظة التاريخية التى يتسيد فيها الغرب الدنيا ، وأنه سوف يظل متوقفا عندها للأبد ! ألا تبارك الله القوى الجبار ، وتعسًا ونكسًا لهؤلاء البكّاشين الصُّفَقاء الذين سوف تدهسهم عجلات التاريخ يوما محتوما ، على أيدينا نحن إن كُُتِب لنا أن نفيق من غفوتنا وبلادتنا المخزية ، أو على أيدى من تختاره الأقدار لقيادة العالم من غيرنا إذا لم نبارح مكان تخلفنا وظللنا نعض على بلادتنا وخزينا بالنواجذ بكل ما فينا من قوة وعزم ! إن هؤلاء السفلة المارقين يصفون القرآن بأنه فكر بدوى متخلف ، ويتهمون رجال الحديث العباقرة بأنهم وضّاعون كذابون ، ويزعمون أن الرسول هو من صنع خديجة وورقة . بل لقد قال عنه عتلٌّ زنيمٌ التقطته أصابع التبشير القذرة وجعلت منه كاتبا بعد أن شارف الستين وهو لم يؤلف فى حياته حرفا إن خديجة قد ” صَنْفَرَتْه وقَلْوَظَتْه ” ! إى وربى هكذا بالنص على طريقة العربجية والحشاشين ! وبالمثل سمعتُ آخَرَ من نفس الطراز المنحط فى إحدى الفضائيات يعاير الشرفاء المؤمنين بدينهم بأنه وأمثاله طالما طالبوهم بالاعتراف بصحة ما تدعو إليه أمريكا وتنفيذه دون نقاش فأبى هؤلاء الشرفاء إلا عنادا ، حتى وقعت الواقعة وجاءت أمريكا إلى قلب بلادنا تفرض علينا بالحديد والنار ما تريد دون أن نستطيع أن نقول لها : ” ثلث الثلاثة كم ؟ ” .
    وكان ، وهو يقول هذا ، يتقصّع ويتراقص فى شماتةٍ وتشفٍّ وقح . ومعروف أنه من كبار المدلسين ! ثم ها هى ذى الصليبية والصهيونية العالمية تلفق قرآنًا خَدِيجًا سرقته من آيات القرآن ونسجته على منواله وسمَّته ” الفرقان الحق ” على طريقة المومسات ، تشتم فيه سيد النبيين والمرسلين وتصفه بأنه شيطان كافر ضال مشرك منافق زانٍ قاتل ، ولا تبخل فى نفس الوقت على صحابته وأتباعه الكرام بمثل هذه الأوصاف الزنيمة التى تدل على مبلغ حقدهم على التوحيد السامى الطهور الذى جاء به نبينا الكريم والسماحة الإنسانية النبيلة التىيتسم بها دينه العظيم ، وعلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يزال ، رغم وفاته منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ، يؤرق الأوساخ تأريقا مزعجا ويقف ، بما يمثله دينه الشريف من مبادئ وقيم ، عقبةً فى طريق سيطرتهم الإجرامية على بلاد المسلمين وسرقتهم لمواردهم الاقتصادية ، ومحوهم لهم من الوجود إن استطاعوا مثلما فعلوا مع الهنود الحمر، أو على أقل تقدير إخراجهم من دينهم على أمل تنصير العالم كله ، جاهلين فى غمرة تعصبهم الغبى الأحمق أن الله ، جَلَّتْ حكمته ، قد خلق العالم على أساس من الاختلاف فى الدين وفى غير الدين كما ورد فى القرآن الكريم ، و أن الإيمان لا ينبغى أن يقوم على الإكراه بأى حال !
    فأما ما يقوله المستشرقون والمبشرون ومن يتبع خطاهم من بنى جلدتنا الضالين المارقين فى حق القرآن والنبى العظيم فقد رددنا عليه فى عدد من الكتب منها : ” مصدر القرآن ــ دراسة لشبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى ” و ” المستشرقون والقرآن ” و ” دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية ــ أضاليل وأباطيل ” و” القرآن والحديث ــ مقارنة أسلوبية ” و” سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن الكريم ــ دراسة تحليلية ” و” اليسار الإسلامى وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة ” و” لكن محمدا لا بواكى له ــ الرسول يهان فى مصر ونحن نائمون ” ، إلى جانب الدراسات التى خصَّصْتُها لتفسير طائفة من السور القرآنية على منهج جديد يقوم على المقارنة بين القرآن والكتاب المقدس فى الموضوعات المشتركة وعلى الرجوع لما قاله المستشرقون فى ترجماتهم للقرآن ، وكذلك ما كتبه علماء المسلمين من غير العرب فى تفسيرهم لكتاب الله … وغير ذلك من المؤلفات . وأما تلك الحرب الشرسة التى يخوضها ضد الأحاديث النبوية الكريمة فى هذه الأيام أعداءُ الإسلام عبر مقاولى الأنفار من الأذناب المنتسبين لهذا الدين الكريم بالميلاد ممن لا يحسنون إلا ال نباح فى وجه من يغريهم به سادتهم والرقص على النغمة التى يعزفونها لهم شأن كلاب السِّرْك مع مدرببها ، فإنها لا تهدف، كما يحاولون أن يخدعوا الأغرار ، إلى تنقية عقيدة الإسلام وشرائعه من مصدر غير يقينى والاكتفاء بالقرآن وحده ، وإنما هى لون من توزيع الأدوار فى المسرحية المجنونة التى يريدون من ورائها محو القرآن والحديث جميعا محوا نهائيا على سياسة ” الخطوة خطوة “. وهو جنون مطبق ، إذ إن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين وكتابه المجيد ، لكن الأوساخ لا يفهمون ولا يتعظون ولا يعرفون أنْ ” ليس كل الطير يؤكل لحمه ” ، وأنه إذا كانت بعض الكتب السماوية قد تعرضت للعبث بها ووقع فيها التحريف فإن القرآن لا يمكن أن يصيبه ما أصاب تلك الكتب بحال ! وعبثا يحاول هؤلاء الأنجاس الأرجاس المناكيد إشاعة الزعم بخلاف ذلك ، فتراهم يشيرون إلى ” سورة النورين ” التى تدعى طائفةٌ ضالةٌ من الشيعة أنها كانت فى القرآن الكريم ، لكن عثمان حذفها لما تتضمنه من النص على حق علىٍّ كرّم الله وجهه وحق ذريته فى خلافة الرسول إلى أبد الآباد ، وهو ما دفعنى منذ عدة أعوام إلى العكوف عليها لأرى ماذا فيها فوجدتُ ، بعد الدراسة الأسلوبية الدقيقة ، أنها ليست ن نسيج القرآن الكريم بأى وضع من الأوضاع ولا حتى فى جملة واحدة منها . وهى دراسة لا تقوم على الخطابيات بل على المقارنة الصيورة المتأنية بين الأسلوبين فى الألفاظ والصيغ الصرفية والتعبيرية والتراكيب النحوية والسياقات المعنوية والصور البلاغية وما إلى هذا. وبتلك الدراسة نكون قد وضعنا حدا لهذه التقولات السخيفة البلهاء لو كان القوم عقلاء يتوخَّوْن الحق .
    وعَوْدًا إلى ما كنا بسبيله نقول إن أعداء الإسلام يحاولون بكل ما لديهم من جهد أن يبثوا فى رُوع المسلم أن الأحاديث النبوية المشرفة كثيرا ما تتناقض فيما بينها بحيث تعطى الرأى وعكسه فى الوقت ذاته ، وهو ما من شأنه أن يشيع الاضطراب فى ميدان التشريع
    والفتوى . والحق أنه ما من شىء فى الدنيا إلا وله سياقه الذى يعطيه دلالته ، أو على أقل تقدير يحدد هذه الدلالة تحديدا دقيقا يمنعها أن تلتبس بدلالة له أخرى فى سياق آخر : فعلى سبيل المثال كثيرا ما نقول لأبنائنا الصغار : ” لا تحاولوا عبور الشارع وحدكم ” ، على حين لا نقول ذلك للكبار منهم ، فهل يعد هذا تناقضا فى النصح والتوجيه ؟ كلا ، لأن الكبير من الأبناء يستطيع أن يعبرالشارع دون أن يحتاج لمعونة أحد . وبالمثل فعندما كنا
    نعيش فى بريطانيا فى السبعينات وبداية الثمانينات من القرن المنصرم لم نكن نخاف هذا الخوف على ابنينا الصغيرين أثناء عودتهما من المدرسة ، إذ إن رجل ” اللُّولِى بُوبْ ” يقوم بتأمين عبور الصغار للشارع فى آول اليوم الدراسى وآخره ، وذلك بإيقاف السيارات فى الاتجاهين فتستجيب له فى التوّ واللحظة كأنه قرآن منزل ، بخلاف الحال فى مصر حيث الأمور تمشى على كف عفريت ، ولا بد أن يضع الإنسان عينه فى وسط رأسه ، وإلا فقد حياته رخيصة دون أن يأسى على هذا الفقدان أحد ! كذلك ففى دول الخليج لا يجد الإنسان نفسه فى حاجة للنظر فى الاتجاهين عند عبوره الشارع ، لأنه ما من أحد من السائقين يجرؤ على السير فى الاتجاه المخالف ، بعكس الأمر فى بلادنا الحبيبة التى لا يحترم فيها سائقو السيارات أى شىء من تعليمات قيادة المركبات إلا تحت سيف الخوف من ضباط المرور. وعلى هذا الأساس فعلى من يريد التعامل مع أحاديث رسول الله أن يضع نصب عينيه الاسترشاد بالسياق الذى وردت فيه واتجاه الإسلام العام ومنطق العقل السليم والتطلعات النبيلة التى لم تَكُفّ البشرية عن الكدح إليها يوما على مدى تاريخها الطويل من عدل ورحمة وتخفيف لأعباء الحياة عن كواهل العباد وتحقيق مستوى ائق من المعيشة لكل فرد وكل أسرة ، وكذلك ألا يتعارض الحديث مع شىء فى القرآن الكريم ، مع الأخذ قبل ذلك كله فى الاعتبار أن جامعى الأحاديث النبوية الشريفة ، على عبقريتهم وجِدّهم وإخلاصهم وتوخِّيهم أقصى درجات الحيطة والدقة فى الجمع والغربلة على أساس من منهجهم العلمى المحكم ، هم فى نهاية المطاف بشر من البشر يصيبون ويخطئون ويسهون وينتبهون ، ومن ثم فمن الممكن أن يكونوا قد أخطأوا هنا أو سَهَوْا هناك ، وهو ما لا يقدح فى إخلاص نيتهم ولا فى عظمة إنجازهم على السواء. ومن قديم كانت نصيحة رسولنا الكريم لنا أنْ ” سَدِّدوا وقارِبوا “، كما أنه عليه الصلاة والسلام قد نبهنا إلى أن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ ، وإن كان أجره فى حال الإصابة ضِعْف أجره فى حال الخطإ كما جاء فى كلامه الشريف صلى الله عليه وسلم . على أن هناك نقطة تتصل بالسنّة النبوية ذات خصوصية تكفل لها أن نفردها بشىء من التفصيل ، ألا وهى أن الأحاديث التى تتعلق بالعلوم والطب وما أشبه ينبغى أن نخضعها للتجربة العلمية للتحقق من صحتها ، ومنها الأحاديث التى تصف أدوية معينة لبعض الأمراض كمرض الكبد الوبائى الذى شاع فى الآونة الأخيرة علاجه بأبوال الإبل وألبانها ركونا إلى ح يث عن النبى عليه السلام يشير باستعمالها فى التداوى من وجع البطن . وكان قد حدثنى فى ذلك أحد المصابين بهذا الداء منذ نحو عامين ، لكنى لم آخذ الأمر على محمل الجِدّ تماما ، وبقيت فيه بين مصدق ومكذب … إلى أن فُتِح الموضوع ثانية منذ أيام بينى وبين قريب من أقربائى الأدنَيْن تعانى زوجته من نفس الداء ، فشرع يعالجها بالطريقة الكيماوية المعروفة فوجد أن وزنها أخذ يتناقص حتى فقدت فى نحو ثلاثة أشهر ثلاثين كيلوجراما وأن حيويتها قد تدهورت أيضا تدهورا شديدا أفزعه !. ثم تصادف أن استمع إلى إحدى الطبيبات للاتى يشتغلن فى مدينته الساحلية تتحدث إلى الأستاذ مفيد فوزى فى برنامجه الشهير ” حديث المدينة ” وتنصح المرضى بهذا الداء أن يلجأوا إلى أبوال الإبل وألبانها ، فأراد أن يتحقق منها شخصيا مما قالته فأكدت له صحة ما سمع . فاشترى ناقة أودعها عند أحد الأعراب على مشارف المدينة ليرعاها لهم ويقوم بتزويدهم ببولها ولبنها . وقد أكد لى تأكيدا شديدا أن حالة زوجته قد تحسنت فى خلال ستة أشهر تحسنا ملحوظا جدا ، لا من خلال رؤية العين التى تنبئ بعودة الحيوية والنضارة إلى وجه زوجته فحسب ، بل من خلال التحليلات المعملية أيضا ، إذ وجدوا أن عدد ا فيروسات قد قل فى خلال هذه المدة من ستمائة وأربعين ألف فيروس إلى مائة وتسعين فقط ، ويُنْتَظَر أن تختفى تماما فى حوالى نصف ذلك الزمن . بل إنه أكد لى كذلك أن الشخص المصاب بهذا الداء إن انتقل إلى الصحراء وعاش عيشة البدو فى طعامهم وشرابهم يمكنه أن يُشْفَى تماما من المرض فى أقل من شهرين ! وأود أن أصارح القراء أننى قد كتبت ما كتبت هنا بناء على اقتراح قريبى هذا من جهة كى أبصّر الناس بهذا الدواء الناجع حسبما وصفه ، ولأتخذ من جهة أخرى هذه القصة مناسبة لطرح رؤيتى الخاصة بالتحقق من صحة مثل هذا اللون من الأحاديث التى تُرْوَى عن النبى عليه الصلاة والسلام. واقتراحى هو أن على الأطباء وعلماء الأدوية والباحثين الكيماويين أن يجتهدوا بكل ما لديهم من قوة وعلم فى التحقق من صدق هذا الذى سمعته ، إذ أخبرنى قريبى ذاك أن معظم الأطياء الذين فاتحهم هو أو غيره بهذا العلاج قد ثاروا ثورة عارمة وأَبَوْا أن ينصتوا لشىء مما يقولون . وهذا، فى رأيى المتواضع ، يناقض روح العلم ومنهجه ، إذ المفروض أن العالم لا يقبل شيئا فى ميدان تخصصه أو يرفضه إلا بعد تمحيص وتجربة ، وسبيل التجربة العلمية معروف .
    ومن يدرى ؟ فقد يستطيع العلماء المسلمون أن يغيّروا من خلال هذه التجارب وجه الطب والدواء على الأقل فى ميدان الكبد الوبائى وينقلوه من حال إلى حال ، وبدلا من العلاج الكيماوى الذى يهدّ جسم المريض فى كثير من الحالات قد يتوصلون إلى ضرب آخر من العلاج يشفى دون آثار جانبية ضارة أو على الأقل بآثار ضئيلة لا تمثل ضررا يذكر . أقول هذا ، وعُهْدته على من حدثونى به ، وأترك الكلمة النهائية فيه للعلماء والأطباء : العلماء والأطباء المفتوحى العقل الواسعى الأفق ممن لم تستعبدهم المدارس الطبية الغربية رغم احترامنا لها وتقديرنا لجهود أعلامها طوال تلك العقود الطويلة من تاريخ الطب والدواء . فإذا ثبت أن ذلك الحديث وأمثاله أحاديث صحيحة من الناحية الطبية كانت هذه أكبر صفعة لأعداء الإسلام ممن يعملون على تكذيب الأحاديث المحمدية وطردها من ميدان التشريع ، إذ بدلا من أن يتم طردها من هذا الميدان حسبما يشتهى حقدهم الأسود المدمر، فإنها على العكس من ذلك سوف تدخل أيضا ميدان الطب والصيدلة بكل جدارةٍ تدعمها كلمة العلم وتجارب العلماء ! ولكن لا بد فى النهاية من إضافة القول بأنه ، فى حالة التبوت التام لنجاعة هذا الدواء ، لا بد للعلماء والباحثين ا لمسلمين من تطويره وتحسينه ونقله من حالته الفطرية الأولية إلى حالة يكون فيها سائغا جذابا ، أو على الأقل خاليا مما يمكن ان يمازجه من منفرات . ومن المسائل التى تشغل الأمريكان أيضا بل تؤرقهم ، كما يتضح من الدراسة التى نحن بإزائها ، مسألة ” الخلافة ” ، التى يعملون على وأد التطلع إليها وإلى إعادتها على خريطة العمل السياسى الإسلامى كرة أخرى . وعجيب أن يجهد الأمريكان جهدهم فى إبطال فكرة الخلافة فى الوقت الذى تتكون دولتهم من أجناس وطوائف وأديان وقوميات وألوان شتى ، وتتسع رقعتها حتى لتستغرق أكثر من نصف مساحة قارة أمريكا الشمالية. كذلك هناك حلف شمال الأطلنطى بدوله الكثيرة ، كما أنهم يدعون إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد بكل دوله وشعوبه خدمة لمصالحهم ومصالح إسرائيل ، فكيف يمكن أن نقتنع بحجتهم الداحضة التى يستندون إليها فى الوقوف ضد هذا التطلع المشروع للمسلمين ؟ وبالمناسبة فليس تحقيق حلم العودة إلى نظام ” الخلافة ” بالمستحيل ولا حتى بالصعب إن صدقت النيات وصحّت العزائم . إننى أعرف أن لدى حكام المسلمين والعرب هَوَسًا بالحكم والسلطان حتى ليثقل على أى منهم أن يتنازل طوعا عن الكرسى الذى يجلس عليه لحاكم مسلم مثله أو ي خضع له مجرد خضوع ، رغم أنه يتقبل ما هو أسوأ من هذا الخضوع بل يتلذذ به ويستعذبه إذا كان الأمر يتعلق بتبعيته لإحدى الدول الكبرى التى تختلف معه ومع شعبه فى الدين واللغة والعادات والآمال والمصالح . ولهذا فإنى أقترح على المسؤولين فى بلاد الإسلام أن يعملوا على التوصل إلى صيغة للحكم تحقق الوحدة أو الاتحاد بين الدول الإسلامية ، وفى ذات الوقت تضمن لكل حاكم أن يبقى فى كرسيه ، كأن يقتصر الارتباط بين تلك الدول على الأمور العامة مع بقاء الأمور الخاصة والتفصيلية من الشؤون الداخلية لكل منها على حدة ، وابتكار طريقة لتداول الرئاسة العامة لدولة الوحدة بين الحكام جميعا فى الوقت نفسه : كلٌّ لمدة سنة مثلا أو ما إلى ذلك .
    وبهذا نخرج من تلك الدائرة الشيطانية التى تطبق على أنفاسنا وأحلامنا فى الوحدة والقوة والرخاء ! ومن تلك المسائل أيضا العمليات الاستشهادية . وواضح أنها تلقى فى قلوب الأمريكان الفزع ولا تتركهم يهنأون بحياتهم ، إذ هم قوم يحبون الحياة حبا يملك عليهم كل اهتمامهم وتفكيرهم ولا يعرفون هذا اللون من التضحية الشريفة ، كما أنهم بوجه عام لا يحسبون حسابا يُذْكَر لليوم الآخر حيث يتطلع الإنسان إلى نيل الخلود والتقلب فى بحبوحة النعيم والرضا الإلهى السامى . وهم ، كما نعرف ، يسمون ذلك الضرب من العمليات بـ ” العمليات الانتحارية ” . ولشديد الأسف فقد درج الصحافيون والإعلاميون العرب فى بداية الأمر على ستخدام هذا المصطلح الضال المضلل مما استفزنى منذ أول وهلة حين سمعته عقب قيام الشهيدة سناء محيدلى فى لبنان فى ثمانينات القرن الماضى بتفجير نفسها فى جنود البحرية الأمريكية هناك وقضائها من ثم على أكثر من مائتين منهم فى ضربة واحدة . وكنت أقول دائما إن الانتحار هو من الأمور المحرمة فى الإسلام والتى يبوء مجترحها بإثم عظيم ، فكيف نسمى به تلك العمليات البطولية التى يضحِّى فيها منفذها بحياته، وهى أغلى ما يملكه ، فداءً لدينه وأهله ووطنه ، ودفاعًا عن كرامة أمته بل عن وجودها ذاته ، وتقربًا إلى الله وابتغاءً لمرضاته ؟ إنها ينبغى أن تسمى بالأحرى : ” عمليات استشهادبة ” . ثم لاحظتُ بعد فترة ليست بالقصيرة أن هناك تسميات أخرى أخذت تزاحم التسمية المضللة فى ميادين الإعلام منها ” العمليات الجهادية ” و” العمليات الفدائية ” ، لينتهى الأمر إلى الاستقرار على مصطلح ” العمليات الاستشهادية ” كما ناديتُ منذ الوهلة الأولى ، وإن ارتدّ بعض الكتاب والمذيعين بآخرة إلى المصطلح الأول المريب خشيةً من أمريكا ومن غضب أمريكا، ويا له من غضب ! ومن الواضح الذى لا يستطيع أى إنسان أن يُشَاحّ فيه أن الحكومات العربية والإسلامية قد بصمت بالعشرة على عدم التفكير فى حرب أمريكا أو إسرائيل رغم استمرارها فى شراء الأسلحة من أمريكا ذاتها ، ويا للعجب ! ومعنى هذا أنه لم يعد لدينا سوى تلك الوسيلة للدفاع عن أنفسنا وكياننا ووجودنا وكرامتنا وحاضرنا ومستقبلنا ، فكيف تسوِّل لبعضنا نفسُه التهجّمَ عليها وعلى أبطالها الذين بلغوا من خلالها مستوى من البطولة لم تعرفه البشرية على هذا النحو من قبل ؟ ومما تنم عنه كذلك الدراسةُ التى بين أيدينا أن الأمريكان ، والغربيين بوجه عام ، يعانون من حساسي ٍ مَرَضِيّةٍ تجاه الإسلام وكل ما يتعلق بالإسلام مهما بدا لنا الأمر تافها . لنأخذ مثلا موضوع الحجاب ، والمقصود به فى العرف الحديث تغطية المرأة المسلمة لمفاتنها بحيث لا تنتهبها العيون المتلصصة . إنهم لا يطيقون أن تغطى نساء المسلمين أنفسهن رغم ما يتشدقون به صباح مساء حتى فلقوا دماغنا من كلام معسول عن حرية الفرد فى ممارسة عقيدته وتقاليده والتعبير عن رأيه واختيار طراز ملابسه … إلى آخر قائمة ما يطلقون عليه : ” حقوق الإنسان” . والغريب أنهم يعلنون بصريح التعبير ، ودون أية غمغمة أو مواربة ، إنه لا وجه للمقارنة بين ” الحجاب ” والسارى الهندى أو عمامة السيخ أو صليب النصارى أو طاقية اليهود مثلا ، إذ إن للحجاب دلالاته السياسية والديتية التى لا يمكن أن يقبلوها حسبما يقولون ! وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فإنهم قد ارتكبوا هنا غلطة بلقاء حينما زعموا أن القرآن الكريم قد أمر أمهات المؤمنين بتغطية سائر أجسامهن بالحجاب . يشيرون بذلك إلى ما جاء فى الآية الثالثة والخمسين من سورة ” الأحزاب ” حيث يأمر سبحانه وتعالى المؤمنين ، إذا أرادوا سؤالهن متاعا ، أن يكون كلامهم إليهن من وراء حجاب . والمقصود الستائر التى نسدلها فى بيو تنا لنفصل بها بين أهل البيت وبين الضيوف الغرباء ، لكن واضعى الدراسة قد أخطأوا فهم الآية كما هو بيّن ! وإننا لنسأل هؤلاء الذين يذوبون حبا وهياما وغراما وانتقاما فى دباديب ما يسمى بـ ” حقوق الإنسان ” : أين ما تصدّعون به أدمعة الناس عن الآخر وعن حقوق الآخر وعن خصوصيات الأديان والحضارات ؟ أم إن كل ذلك يتبخر فى الهواء من فوره إذا أتى ذكر الإسلام والمسلمين ؟ محصَّلة الكلام أنهم يريدون أن يفرضوا علينا رؤيتهم وذوقهم وتقاليدهم ودينهم بالقوة الغشوم ! إنهم يرحّبون بالعرى والزنى واللواط والسحاق والخمور، ولا يريدون فى ذات الوقت أن يكون لنا ذوقنا واختيارنا الذى يختلف عن ذوقهم واختيارهم ! أى أنهم فى الوقت الذى يزعمون فيه عدم وجود أية مرجعية لأى شىء فى دنيا البشر يعملون بكل قواهم على أن يفرضوا علينا أن نجعل منهم مرجعيتنا الوحيدة . فانظر أيها القارئ الكريم وتعجَّب ! وعند الأمريكان أمل عظيم أن ينجحوا فى تطوير الإسلام حسبما يشتهون دون أن يثيروا ريبة المسلمين أو يستفزوهم بحيث يمضى الأمر فى هدوء . وهم يشيرون فى هذا الصدد إلى مثال من التاريخ القريب حيث أُلْغِىَ الرق فى الإسلام دون أن يلفت ذلك نظر أحد من أتباعه مع أنه يمثل ركيزة أساسية من ركائزه . والإشارة هنا إلى اختفاء هذا النظام من المجتمعات الإسلامية فى القرنين الماضيين . ولكن أولئك الضالين المضلين قد أخطأوا هنا أيضا خطأ فادحا ، لأن الرق لا يمثل نظاما أساسيا فى دين محمد على الإطلاق ، بل كل ما هنالك أن الإسلام جاء فألفاه يمارَس فى جميع أنحاء العالم وفى كل الديانات ، فعمل بكل سبيل على تجفيف منابعه ، إذ جعل مصير أسرى الحرب ، وهم أهم منبع من منابع الرق ، منحصرا فى الفداء : إما بمقابل وإما بغير مقابل . ثم زاد فاهتبل كل سانحة لتحرير ما يمكن أن يوجد فى المجتمع الإسلامى من رقيق : فالحالف إذا حنث فى يمينه كان من بين ما يكفر به عن حنثه عتق رقبة . والمُظاهِر من زوجته إذا أراد الرجوع عن ظِهاره كان من بين ما يكفر به عن هذا الرجوع عتق رقبة . وأحد مصارف الزكاة الثمانية مصرف عتق الرقبة . وبالمثل فمن بين ما يكفر به مرتكب القتل الخطإ عن ذنبه عنق رقبة … وهكذا . وهو ما يعنى أن دين المصطفى عليه الصلاة والسلام لا يرحب بالرق ولا يعمل على استدامته ، بل ينتهز جميع الفرص الممكنة للقضاء عليه حتى إنى لأستغرب غاية الاستغراب من بقاء هذا النظام فى المجتمعات الإسلامية إلى هذا الوقت المتأ ر . ومع ذلك كله فإن الإنسان لتأخذه الدهشة حين يريد أن يقارن بين وضع الرقيق عند المسلمين ووضعه فى المجتمعات الغربية التى طالما مارسته وتعيرنا مع هذا به ، إذ يجد أنه لا وجه للمقارنة ، فقد كان الرقيق فى المجتمعات الإسلامية ، رغم كل ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد ، يعامَلون معاملة أرقى بمراحل وأكثر إنسانية ورحمة مما كانوا يعامَلون به فى أمريكا والمستعمرات الأوربية .
    هذا أهم ما أثارته تلك الدراسة فى ذهنى ، بَيْدَ أن هناك نقطة لم يتطرق إليها التقرير بما تستحقه على رغم أهميتها الفائقة ومحوريتها الخطيرة ، ألا وهى الإجابة عن السؤال التالى : لماذا يكره المسلمون يا ترى الولايات المتحدة الأمريكية ؟ إن كتّاب التقرير ينطلقون مما يعدونه مسلَّمة لا تقبل النقاش أو المراجعة ، وهى أنن انحن المسلمين نحقد على الأمريكان بالفطرة ونكره ديمقراطيتهم هكذا من الباب للطاق ! وهذا فى الواقع مظهر آخر من المظاهر المتعددة التى تنم على وجود مؤامرة خسيسة هنا ، فمن الواضح أن الولايات المتحدة لا تريد أن تقر بخطئها ولا تفكر فى مراجعة مواقفها حيالنا ولا تأخذ مشاعرنا ولا مصالحنا ولا كرامتنا فى الاعتبار . لقد كانت وراء خلق إسرائيل من العدم على أرض فلسطين العربية المسلمة بكل ما يحمله هذا العمل الإجرامى من مآسٍ وآلام للعرب والمسلمين بوجه عام ، وللفلسطينيين على وجه الخصوص . كما أنها قد دأبت طوال عمرها على مساندة الأنظمة القمعية المستبدة فى العالم العربى والإسلامى رغم تشدقها ليل نهار بالديمقراطية والحرية . كذلك فأمريكا لا تكف عن استهداف الإسلام والعمل على محوه وتنصير المسلمين . وفضلا عن هذا فإنها قد حتلت فى الفترة الأخيرة بلدين إسلاميين عزيزين هما أفغنانستان والعراق ودمرتهما تدميرا وتهدد فوق البيعة دولا مسلمة أخرى بنفس المصير . وهى أيضا تمد دولة العدو الصهيونى الملفَّقة بكل أنواع السلاح والعتاد لسحق الفلسطينيين وتهديم بيوتهم ومزارعهم ، وتَنْصُرها دائما فى المحافل الدولية وتقف فى وجه كل إدانة لها فى الأمم المتحدة ، وتعاونها فى حروبها ضدنا . ليس هذا فحسب ، بل هى تشتم رسولنا وتحقر من شأن قرآننا . كما أقدمت فى الفترة الأخيرة على تزييف قرآن جديد تريد أن تُحِلّه محل كتاب الله المجيد وأطلقت عليه ” الفرقان الحق ” ، وما هو فى الحقيقة إلا البهتان الباطل والضلال المبين ! فهذه وأمثالها هى الأسباب الحقيقية للغضب الذى يشعر به المسلمون تجاه أمريكا . أم تراها تريد منا ألا يكون عندنا أى مقدار من الإحساس أو الكرامة فنصفق لها على ما تفعله بنا ونرجوها أن تزيد من إذلالها لنا وسرقتها لمواردنا واحتلالها لأراضينا كما يدعونا عملاؤها الممالئون لها من أبناء جلدتنا ؟

    HOME

  2. (((((((((((

    تكملة حملة كره المسلمين)))و قد وقعت حادثة في آخر القرن الثامن عشر، كان لها مغزاها، إذ بينت السبيل الذي بدأت الثقة الأوربية الجديدة تسير فيه . ففي عام 1798 أبحرت نابليون قاصدا مصر، بصحبة العشرات من المستشرقين العاملين في معهد ،الدراسات المصرية الذي كان قد أنشأه . وكان قد بيت العزم على الانتفاع بالتقدم العلمي الذي أحرزوه ، وقدرتهم على تفهم الشرق ، في إخضاع العالم الإسلامي وتحدى السيطرة البريطانية على الهند وما إن رست السفن حتى أرسل نابليون هؤلاء العلماء في مهمة محددة، مما نطلق عليه اليوم “بعثة لتقصى الحقائق ” ، وأصدر الأوامر الصارمة إلى جنوده بألا يعصوا أوامر العلماء . والواضح أن هؤلاء العلماء قد درسوا الموضوع دراسة مستفيضة . وكان نابليون قد استهل خطابه إلى جماهير المصريين في الإسكندرية قائلا “إننا نحن المسلمون حقا” على ما في هذا القول من سخرية مريرة، ثم استدعى ستين شيخا من شيوخ الأزهر، وهو المسجد العظيم في القاهرة، فجاءوه تحفهم أسمى مراسم التكريم العسكرية، ومن ثم انطلق في الحديث فامتدح النبي بعبارات توخى فيها الحرص الشديد، وناقش معهم كتاب محمد الذي وضعه فولتير، ويبدو أنه نجح في حواره مع كبار العلماء . والواقع أن الناس لم تصدق زعم نابليون ، أنه مسلم ، ولكن فهمه وتعاطفه للإسلام خفف من حدة عداء السكان تخفيفا كبيرا. ولم تتمخض حملة نابليون عن أي شئ ، إذ كان مالها الهزيمة على أيدي الجيوش البريطانية والتركية ، ومن ثم أبحر عائدا إلى أوربا.

    أما القرن التاسع عشر، فقد اتسم بالروح الاستعمارية التى أوحت للأوربيين بعقيدة سقيمة هي تفوقهم على الأجناس الأخرى وشعورهم بأن من واجبهم إنقاذ العالم الهمجي في إفريقيا وآسيا، والقيام في هذا الطريق بحمل رسالة الحضارة إليهم . وقد أدى ذلك حتما إلى التأثير في النظرة الغربية إلى الإسلام ، خصوصا بسبب أطماع الفرنسيين والبريطانيين في الإمبراطورية العثمانية المضمحلة . وهكذا نجد في كتابات أحد أنصار المسيحية في فرنسا وهو “فرانسوا رينيه دى شاتوبريان “، على سبيل المثال ، إحياء للمثل الصليبي الأعلى، مع تطويعه لمواءمة الأحوال الجديدة، بعد أن بهرته حملة نابليون ، ورأى فيه سمات الحجاج الصليبيين . فكتب يقول إن الصليبيين حاولوا نشر المسيحية في الشرق ، وهى أقرب الأديان إلى “إذكاء روح الحرية” ، ولكنهم اصطدموا في جهودهم الصليبية بالإسلام ، وهو “عقيدة معادية للحضارة ، وهى تشجع بانتظام على انتشار الجهل والاستبداد و الرق”[30]. وهكذا أصبح الإسلام من جديد، إبان التهور الذي أعقب الثورة الفرنسية، نقيضا لما “نحن ” عليه . وكان بعض نقاد الإسلام ، أيام الفكر الطبقي الذي ساد العصور الوسطى، يهاجمون محمدا لأسنه منح الطبقات الدنيا سلطات أكثر مما ينبغى – مثل العبيد والنساء . وقد انعكس بعد الثورة الفرنسية هذا الوضع ، لا بسبب زيادة معرفة الناس بالإسلام ، بل لأنه أصبح ملائما لما نحتاج “نحن ” إليه ، ولأنه أصبح “الآخر” الذي يمكن أن نحكم على إنجازاتنا بالقياس إليه.

    و في عامى 1810 و 1811 نشر شاتوبريان كتابا لاقى نجاحا ساحقا عنوانه الرحلة من باريس آلي أورشليم ومن أورشليم آلي باريس أطلق فيه العنان لخياله الصليبي في وصف الأحوال في فلسطين ، فكتب يقول إن مظهر العرب يوحي بأنهم جنود بلا قائد، ومواطنون بلا مشرعين ، وأسرة بلا أب “، وهم نموذج للإنسان المتحضر الذي سقط من جديد في هوة الهمجية و الوحشية”[31] ومن ثم فإن حالهم يستدعى سيطرة الغرب ، لأسنه من المحال أن يتولوا بأنفسهم إدارة شئونهم . أما القرآن فيقول إنه لا يتضمن “مبدأ واحدا من مبادئ الحضارة، ولا فرضا يسمو بأخلاق الإنسان ” ، فالإسلام يختلف عن المسيحية في أنه “لا يحض على كراهية الطغيان أو على حب الحرية”[32].

    حاول إرنست رينان ، عالم اللغة الفرنسي الذائع الصيت أن يقدم تفسيرا عميقا ، لهذه الأساطير العنصرية والإمبريالية الجديدة ، فقال إن العبرية والعربية من اللغات المنحطة، وهما تمثلان انحرافا عن التقاليد الآرية، ومن ثم -جمحت عيوبهما تستعصي على العلاج . وقال إنه لا ينبغى دراسة هاتين اللغتين الساميتين إلا بم اعتبارهما نموذجا للتطور الذي توقف عند مرحلة قي ، وانهما تفتقران إلى الطبيعة المتقدمة والمتطورة للنظم اللغوية لدينا إ”ت ا ، ولذلك فإن كلا من اليهود والعرب يمثلون “مجموعة متدنية من عناصر الطبيعة البشرية”. ويضيف قائلا:

    “يشهد المرء دلائل في كل شئ على أن العنصر السامي، فيما يبدو لنا، عنصر ناقص بسبب بساطته. وإذا كان لي أن أضرب لذلك مثلا، قلت إن مقارنته بالأسرة الهندية الأوربية تشبه مقارنة رسم بالقلم الرصاص بلوحة زيتية، فهو يفتقر إلى التنوع والثراء والحفول بالحياة، وهى شروط الكمال. إن الأمم السامية تشبه الأفراد الذين لا يتمتعون إلا بأدنى قسط من الخصوبة، فإذا انتهت طفولتهم السعيدة، لم يصلوا إلا إلى أقل حد مات الفحولة، فلقد شهدت هذه الأمم عصر ازدهارها الكامل في مطلع حياتها، ولكنها لم تستطع مطلقا أن تبلغ النضج الحقيقي”[33].

    و هكذا يظهر الكاتب اليهود والعرب في بوتقة واحدة، ليخرج صورة موحدة تعلى من شأن شمائلنا “نحن ” وتؤكد تفوقها . ولقد كان لهذه النزعة العنصرية الجديدة عواقبها الوخيمة، بطبيعة الحال ، على اليهود في أوربا . إذ استقى هتلر ما يلزمه من أنماط الكراهية المسيحية القديمة في حملته العلمانية الصليبية على اليهود، فلم يكن يطيق وجود عنصر أجنبي على التربة الأوربية الارية النقية.

    لم يكن قد بقى أحد من المسلمين في أوربا، ولكن البريطانيين والفرنسيين شرعوا إبان القرن التاسع عشر في غزو أراضى المسلمين . ففي عام 1830 قام الفرنسيون باحتلال الجزائر، وقام البريطانيون عام 1839 باحتلال عدن ، وتقاسموا استعمار تونس (1881) ومصر (1882) والسودان (1898) وليبيا والمغرب (1912). ورغم ما تعهدوا به من منح البلدان العربية استقلالها بعد هزيمة الإمبراطورية التركية ، قام البريطانيون والفرنسيون عام 1920 بتقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق تحت الانتداب أو تحت الحماية لكل من الجانبين . والعالم الإسلامي اليوم يقرن الإمبريالية الغربية وجهود التبشير المسيحية بالحملات الصليبية. وهو لا يخطئ في ذلك. فعندما وصل الجنرال أللنبى إلى القدس في عام 1917 أعلن أن الحملات الصليبية قد اكتملت ، وعندما وصل الفرنسيون إلى دمشق ، اتجه قائدهم إلى ضريح صلاح الدين في المسجد الكبير و صاح قائلا “لقد عدنا يا صلاح الدين !” وكانت جهود التبشير المسيحية تؤازر المستعمرين ، وتحاول تقويض الثقافة الإسلامية التقليدية في البلدان المفتوحة، كما حظيت الطوائف المسيحية المحلية، مثل المارونيين في لبنان بدور كبير لا يتناسب مع حجمها في إدارة البلد الخاضع للحماية . وقد يحتج المستعمرون بأنهم كانوا يأتون بالتقدم والتنوير، ولكن جهودهم كانت تستند إلى العنف والاحتقار. وقد استغرق فرض السلام في الجزائر مثلا سنوات عديدة، وكان المستعمرون ينقضون بوحشية على كل من يحاول المقاومة، ويشنون الغارات الانتقامية لهذا الغرض . ويصور لنا المؤرخ الفرنسي المعاصر م. بودريكور إحدى هذه الغارات قائلا:

    وحتى جنودنا الذين عادوا من الغارة كانوا يشعرون بالخجل . . . إذ احرقوا نحو 18000 شجرة، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ. و كانت النساء أسوأ الجميع حظا إذ كن يتزين بالأقراط والخلاخيل والأساور الفضية فأثرن الطمع فيها، ولم تكن لها مفاتيح مثل مفاتيح لأساور الفرنسية بل كانت توضع حول المعاصم والكواحل في الطفولة، فإذا كبرت الفتاة ونمت أعضاؤها لم تتمكن من نزعها، ولم يستطع جنودنا أن يحصلوا عليها إلا بقطع أطراف النساء وتركهن في فيد الحياة وقد تشوهت أجسامهن[34].

    و قد أظهر المستعمرون ازدراءهم الراسخ للإسلام ، فانتقد اللورد كرومر في مصر محاولة الشيخ محمد عبده ، المفكر المتحرر، (ت 905 ا) لإعادة صياغة بعض الأفكار الإسلامية التقليدية . وأعلن أن الإسلام عاجز عن إصلاح نفسه ، و أن العرب عاجزون عن بث حياة جديدة في مجتمعهم . وقد فسر ذلك في كتابه الأساسي الذي يقع في مجلدين وعنوانه مصر الحديثة بقوله إن “الشرقي” يتسم بنزعة طفولية لا رجاء في تغييرها، ويعتبر النقيض الكامل لما نحن عليه:

    قال لي السير ألفريد ليال ذات يوم : “الدقة بغيضة للعقل الشرقي . وعلى كل إنجليزي هندي أن يذكر تلك الحقيقة دائما ” والواقع أن الافتقار إلى الدقة، وهو الذي يتفاقم بسهولة فيتخذ صورة الكذب ، هو الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي.

    إن الأوربي يعتمد اعتمادا كبيرا على عقله وهو يذكر الحقائق بأسلوب لا لبس ولا غموض فيه ، فهو منطقي بالفطرة حتى ولو لم يدرس المنطق ، وهو بطبيعته ينزع إلى الشك ويطلب الدليل قبل أن يقبل صدق مقولة ما، وذكاؤه المدرب يشبه الآلة في عمله . أما العقل الشرقي فهو يفتقر مثل شوارعه الجميلة إلى الاتساق والتنظيم . وأما قواعد الاستدلال التى يرتكن إليها فهي غير محكمة إلى أبعد حد. ومع أن العرب القدماء قد أحكموا إلى حد بعيد علم الجدل والقياس ، فإن أحفادهم يفتقرون افتقارا بالغا إلى ملكة المنطق . وكثيرا ما يعجزون عن التوصل إلى أوضح النتائج استنادا إلى آي مقدمات بسيطة يقرون بأنها صحيحة”[35].

    و هكذا، ومع أن علماء الغرب لم يتوقفوا عن محاولة رسم صورة تتسم بالمزيد من الموضوعية عن العالم العربي والعالم الإسلامي، فإن التفوق الاستعماري جعل الكثيرين يرون أن “الإسلام ” غير جدير بأن يولوه اهتماما جادا.

    ولاشك أن هذا الموقف الغربي الجارح للمشاعر قد نجح في إغضاب العالم الإسلامي. ومشاعر العداء للغرب قد تبدو اليوم شائعة بين المسلمين ولكن ذلك من التطورات الجديدة كل الجدة . فإذا كان الغرب قد استند إلى الأوهام في اعتباره أن محمدا هو العدو. فإن معظم المسلمين كانوا لا يعرفون شيئا عن الغرب إلا منذ نيف ومائتي عام . كان للحملات الصليبية دور أساسي في تاريخ أوربا وأثرت تأثيرا لا ينكر في تكوين الهوية الغربية على نحو ما سبق لي أن أوضحت في كتاب آخر[36]. ولكن الحملات الصليبية، على تأثيرها الواضح والعميق في حياة المسلمين في الشرق الأدنى، لم تؤثر إلا تأثيرا طفيفا في سائر العالم الإسلامي، إذ لم تكن تعتبر إلا أحداثا بعيدة على حدود البلدان الإسلامية الأخرى ، ولم يتأثر قلب الإمبراطورية الإسلامية في العراق وإيران على الإطلاق بذلك العدوان الغربي القروسطى . ومن ثم لم ينظر المسلمون هناك إلى الغرب باعتباره العدو . وعندما كان المسلمون يتحدثون عن العالم المسيحي، لم يكونوا يقصدون الغرب بل كانوا يقصدون بيزنطه فأوربا الغربية كانت تبدو لهم آنذاك برية همجية وثنية، ولاشك أنها كانت متخلفة بأشواط طويلة عن سائر العالم المتحضر.

    ولكن أوربا نهضت وانطلقت لتلحق بالركب ، دون أن يدرك العالم الإسلامي – الذي كانت همومه الخاصة تشغله – ما حدث . وكانت حملة نابليون على مصر الحدث الذي فتح عيون الكثيرين من ذوى البصر في الشرق الأدنى ، وما أكثر ما بهرهم سلوك الجنود الفرنسيين الذي ينم على البساطة و الثقة معا في الجيش الذي تكون بعد الثورة. ودائما ما كان المسلمون يستجيبون للأفكار التى تأتى بها الثقافات الأخرى، وسرعان ما استجاب الكثيرون للأفكار الغربية الأساسية الخاصة بالتحول إلى العالم الحديث . وفى مطلع القرن العشرين كان جميع المفكرين الكبار في العالم الإسلامي تقريبا قد اصبحوا من دعاة التحرر والأخذ بالنظم الغربية . وربما كان هؤلاء المتحررون يكرهون الإمبريالية الغربية ، ولكنهم كانوا يتصورون أن المتحررين في أوربا سوف يقفون في صفهم ويعارضون أمثال اللورد كرومر. كانوا معجبين بأسلوب الحياة الغربية، إذ بدا لهم أنه يقوم على كثير من المثل العليا التى تمثل صلب التقاليد الإسلامية . ومع ذلك فلقد فقدنا في السنوات الخمسين الأخيرة تلك النوايا الطيبة . وكان من أحد أسباب غضب العالم الإسلامي أنه اكتشف تدريجيا مدى العداء والازدراء لنبي الإسلام ، وللدين الإسلامي، وهى من المشاعر التى تضرب بجذورها في الثقافة الغربية، والتي يرى المسلمون أنها ما تزال تؤثر في سياسة الغرب إزاء البلدان الإسلامية حتى في الفترة التى أعقبت الاستعمار.

    وتقول الكاتبة السورية رنا قباني في كتابها رسالة إلى العالم المسيحي :

    أليس الضمير الغربي ضميرا انتقائيا؟ إن الغرب يتعاطف مع المجاهدين الأفغان ، الذين يساندهم جهاز الاستخبارات الأمريكية ، شأنهم في ذلك شأن جماعات الكونترا في نيكاراغوا، ولكنه لا يشعر بأي تعاطف مع المناضلين المسلمين الذين لا يحاربون من أجل معارك الحرب الباردة، بل لهم شواغلهم السياسية الخاصة . وفى الوقت الذي أكتب فيه هذا الكلام يموت الفلسطينيون كل يوم في الأراضي المحتلة – وقد بلغ عدد القتلى في آخر إحصاء 600 قتيل تقريبا، وجرح ما يربو على 30000 إلى جانب الذين زج بهم في المعتقلات دون محاكمة ووصل عددهم إلى 20000 شخص . . . ومع ذلك فمازالت عيون الغرب ترى أن إسرائيل بلد ديمقراطي ، وحصن أمامي من حصون الحضارة الغربية . ماذا عسانا أن نظن بأمثال هذه المعايير المزدوجة؟[37]

    قد يكون الغرب مسئولا إلى حد ما عن نشوء الصيغة الأصولية الجديدة للإسلام ، وهى التى تقترب من زاوية معينة – وهى زاوية كريهة – من أوهامنا القديمة، إذ نجد الكثيرين في العالم الإسلامي اليوم يرفضون الغرب باعتباره كافرا وظالما ومنحلا . ويحاول بعض علماء الغرب مثل ماكسيم رودانسون ، وروى متحدة، ونيكى كيدى ، وجيل كيبيل ، إدراك معنى هذه النزعة الإسلامية الجديدة . ولكن محاولاتهم ، كالعادة، للتوصل إلى تفهم أكثر موضوعية و تعاطفا للأزمة الراهنة في العالم الإسلامي لا يأبه لها إلا الأقلية . وهناك أصوات أخرى ذات طابع عدواني فهي لا تريد الفهم بل تريد إذكاء تقاليد الكراهية القديمة.

    و لكن الصيغة الأصولية الجديدة للإسلام لم تنشأ نتيجة لكراهية الغرب فحسب ، بل ولا تعتبر حركة متسقة بأي معنى من المعاني، فما يشغل الأصوليين في المقام الأول هو تنظيم أوضاعهم الداخلية والقضاء على التمزق الثقافي الذي تعرض له الكثيرون في الآونة الأخيرة . والحق أنه من المتعذر إصدار أحكام عامة عن نشأة الصورة المتطرفة لهذا الدين ، فهي لا تقتصر على الإختلاف من بلد إلى بلد، بل تختلف كذلك من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية. إذ يشعر الأشخاص أنهم فد انفصلوا عن جذورهم ، بعد أن تغلغلت الثقافة الغربية في نسيج حياتهم. بل إن أثاث منازلهم نفسه قد تعرض لتغيير كبير حتى أصبح من الشواهد المقلقة على السيطرة، وعلى الخسارة الثقافية. واللجوء إلى الدين عند الكثيرين معناه محاولة العودة إلى الجذور واستعادة هوية تتعرض لخطر داهم. وكل منطقة تشهد نمطا مختلفا تمام الاختلاف من أنماط الإسلام ، وهو نمط يميز طابعها الخاص ويتأثر تأثرا عميقا بالتقاليد والظروف المحلية ، وهى التى لا ترتبط بصورة خاصة بالدين . ويقول مايكل جيلسينان في كتاب أصبح من أمهات الكتب وعنوانه التعرف على الإسلام والدين والمجتمع في الشرق الأوسط : إن الاختلافات فيما بين المناطق الشاسعة إلى الحد الذي لا يجدى معه استخدام مصطلح “الإسلام ” أو “الأصولية” في تعريف المحاولة الراهنة للإفصاح عما يمر به أبناء الشرق الأوسط في فترة ما بعد الاستعمار. ولاشك أن الظاهرة أشد تعقيدا بمراحل مما توحي به أجهزة الإعلام . ومن المحتمل أن الكثيرين من المسلمين في تلك المنطقة يخامرهم نفس الشعور بالخوف وفقدان الهوية الذي تعرض له شهداء قرطبة الذين كانوا يحسون أن قوة أجنبية كانت تنخر ثقافتهم وقيمهم التقليدية.

    لقد دأبنا على وضع أنماط وقوالب جديدة للتعبير عن كراهيتنا “للإسلام ” التي يبدو أنها أصبحت راسخة في وجداننا، ففي السبعينيات تملكتنا صور أثرياء النفط ، وفى الثمانينيات كانت الصورة صورة “آية الله ” المتعصب ، أما منذ مسألة سلمان رشدي فقد أصبحت صورة “الإسلام ” هي صورة الدين الذي يهدر دم الإبداع وحرية الفنان . ولكن الواقع لا تمثله أي صورة من هذه الصور، بل يتضمن عناصر أخرى لا حصر لها. ولكن ذلك لا يمنع الناس من إصدار الأحكام العامة التى تفتقر إلى الدقة . وتستشهد رنا قباني ببعض الأقوال العدائية التى وردت على لسان فاى ويلدون ، وكونور كروز أوبريان . ففي كتاب بعنوان “الأبقار المقدسة” ، وهو الذي أصدرته فاى ويلدون لإبداء وجهة نظرها في مسألة سلمان رشدي، كتبت تقول:

    يعمل القرآن على قمع التفكير، وهو ليس قصيدة يمكن أن يبنى عليها المجتمع بناء سالمة أو عاقلا، بل إنه يضع الأسلحة والقوة في أيدي شرطة مصادرة الفكر، وما أيسر أن ندفع أفراد هذه الشرطة على الانطلاق ، وهم يقذفون الرعب في القلوب .. . وأرى أنه نص محدود، بل ويفرض الحدود والقيود من حيث تفهم التعريف الذي أضعه لله[38].

    وينحصر تعليقي على هذه الأقوال في أنها لا تتفق مع خبرتي في دراسة القران وتاريخ الإسلام ، ولو أن كلامي هذا سيجلب لي تهمة النفاق من وجهة نظر كونور كروز أوبريان ، الذي يحيى التقاليد التى تعتبر أي احترام للإسلام بمثابة خيانة ثقافية . إذ كتب يقول إن المجتمع الإسلامي يبدو باعثا على النفور العميق . . . هو يبدو منفرا لأنه منفر. . . فإذا قال أحد أبناء الغرب إنه معجب بالمجتمع الإسلامي مع مواصلة التمسك بالقيم الغربية فهو إما منافق أو جهول ، أو ربما كان يجمع بين بعض عناصر النفاق والجهل معا.

    ويختتم أوبريان كلامه قائلا “إن المجتمع العربي مريض ، ولقد ظل في مرضه ردحا طويلا من الزمن . ففي القرن الماضي كتب المفكر العربي (هكذا) جمال الدين الأفغاني يقول (إن كل مسلم مريض، وعلاجه الوحيد في القرآن ). ولكن المرض يتفاقم ، للأسف ، كلما ازدادت جرعة الدواء”[39].

    و لكن هذا الاتجاه الصليبي لا يسير فيه جميع النقاد، بل إن كثيرا من العلماء في هذا القرن قد حاولوا توسيع تفهم الغرب للإسلام ، مثل لويس ماسينيون ، و هـ . أ. ر. جيب ، وهنري كوربان ، وآن مارى شيمل ، ومارشال ح . س . هودجسون ، و ويلفريد كانتويل سميث . إذ حذوا حذو بيتر المبجل و جون سيجوفيا، ولجئوا إلى البحث العلمي لدحض تعصب زمانهن. ولقد نجح الدين ، على امتداد قرون طويلة، في إذكاء التفاهم الجاد بين أفراد مجتمع من المجتمعات . وقد يفشل الناس أحيانا في التعبير عن مثلهم الدينية العليا بالصورة التى يبغونها، ولكنهم قد ساعدوا على إقامة أفكار العدالة والخير والاحترام والتعاطف مع الآخرين ، بحيث أصبحت تمثل المعيار الذي نستطيع أن نقيس به ضروب سلوكنا . وتثبت الدراسة الجادة للإسلام أن المثل القرآنية العليا قد ساهمت مساهمة كبرى، على امتداد 1400 سنة، في انتعاش الحياة الروحية للمسلمين . بل إن بعض العلماء، مثل الباحث الكندى المبرز “ويلفريد كانتويل سميث ” ، يقول إن الشريحة المسلمة من المجتمع الإسلامي لا تزدهر إلا إذا كان الإسلام قويا وحيويا، و نقيا وخلاقا وسليما”[40] ويرجع جانب من المشكلة الغربية إلى أن الغرب ظل، على امتداد قرون طويلة، ينظر إلى محمد باعتباره نقيض الروح الدينية و عدوا للحضارة المهذبة . وربما يكون علينا إذن ، أن نحاول أن ننظر إليه.

    [1] تورد المؤلفة هنا أبياتا قبيحة لا يليق نشرها بالعربية عن رسول الإسلام ، و قد سبق للأستاذ حسن عثمان أن أثار إليها في ترجمته قائلا : “ولقد حذفت من الأنشودة (رقم 28) أبياتا وجدتها غير

    جديرة بالترجمة، وردت عن النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام . و قد أخطأ في ذلك دانتي خطا جسيما تأثر في بما كان ساندا في عصره ، في المؤلفات أو بين العامة، بحيث لم يستطع أهل الغرب

    وقتئذ تقدير رسالة الإسلام الحقة وفهم حكمته الإلهية (ص 365من الترجمة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1959) . و لا يعتقد المترجمان أن حذت الآبيات ينتقض من الهدف الذي تسعى المؤلفة إلى إبرازه

    ، فهي أبيات قبيحة لا تليق بشاعر كبير؟ إن كان التراث العربي في الهجاء حافلا بأمثالها )))))))

  3. دور الإسلام في إصلاح النصرانية
    الكاتب/ Administrator

    خالد حربي

    منذ منتصف القرن السابع الميلادي خرج الإسلام ليواجه النصرانية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حتى غدى بحيرة إسلامية ثم اتجه الإسلام إلى الأندلس فاستوطنها وأقام مملكته على أرضها قرونًا عدة، دخلها خلالها إلى قلب أوروبا ففتح نابولي وجنوة وجنوب فرنسا حتى وصلوا إلى مدينة ليون وفتح أفنيون والتي كانت مقرا للبابوية لعدة سنين، وظل المسلمون يصولون ويجولون في أوروبا حتى القرن العاشر الميلادي.

    ولم يمضى القليل من الوقت حتى جاء الأوروبيين أنفسهم إلى ديار الإسلام من خلال حملاتهم الصليبية لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الاتصال بين الإسلام والنصرانية الغربية.

    هذا الاتصال وإن كان عسكريا بالدرجة الأولى إلاّ أنّ الأمر في الحقيقة أعمق من هذا، فمن خلال هذا الاتصال ترك الإسلام بصمة قوية في أوروبا تمثلت في رؤى إصلاحية جديدة على الحياة الغربية في جميع المجالات، ولا نقول جديدا إذا قلنا أنّ الغربيين مدينون للإسلام وأهله بكثير من إنجازاتهم الحضارية التي يفتخرون بها، لكن الجديد الذي يتغاضى الغرب عنه هو أنّ الإسلام كان صاحب فضل كبير في إصلاح النصرانية الغربية وظهور حركات الإصلاح الدينية هناك.

    بدأت هذه الفكرة تعمل في خاطري وأنا أقرأ كتاب من أهم كتب التاريخ الكنسي وهو كتاب أندرو ملير (مختصر تاريخ الكنيسة) والكاتب أحد أعمدة حركة الإصلاح البروتستانتي، وكان رئيسا لطائفة نصرانية ثم تركها وانضم إلى حركة الإصلاح البروتستانتية، وكان واعظا ملتهبا فصيح الفم كما تصفه كنيسة الأخوة الإنجيلية، وقد ألف كتابه في القرن الثامن عشر الميلادي.

    يقول أندرو ملير في كتابه (مختصر تاريخ الكنيسة ص212): “كان الإمبراطور ليو الثالث ـ القرن السابع الميلادي ـ يمتلك الشجاعة الكافية فأخذ على عاتقه تطهير الكنيسة من أصنامها الممقوتة متحملًا المشقات الكثيرة في سبيل هذا، ويصمت التاريخ عن ذكر البواعث التي حركت الإمبراطور ليو لهذا العمل، ولكنّنا نعتقد أنّ ظهور الإسلام ونجاحه واعتقاده بالتوحيد ٌقد أثر على الإمبراطور تأثيرا كبيرا، فضلا عن ذلك كان الاعتقاد سائدا عند المسيحيين في الشرق أنّ غزوات الإسلام كانت تأديبا من الله على ازدياد الوثنية داخل الكنيسة، وكان المسيحيون كثيرا ما يسمعون تغييرا من المسلمين واليهود بأنّهم يعبدون الأصنام، ونتيجة لهذه الظروف قامت المنازعة العظيمة”.

    وفي موضع آخر يصف القس أندرو ملير بحسرة شديدة ما آلت إليه أحوال الكنيسة من تقديس لرفات الأموات وعبادة لهم، ثم يعلق بما يزيد الأمر سوء ويجعله يستلزم تغييرا وإصلاحا، فيقول ص294: “إذا رجعنا إلى الماضي البعيد إلى أيام أوريجن ـ القرن الثالث ـ الذي كان أول من دعا إلى عبادة القديسين، أو رجعنا إلى ضريح ماتن دي تور الذي كان أشهر ضريح في القرنين الرابع والخامس، ثم تقدمنا إلى يومنا الحاضر لوجدنا أنّ العبادة ـ للقديسين ـ تبلغ من العمر ألف وخمسمائة عام في كلتا الكنيستين اللاتينية واليونانية، فلا عجب إن حكم المسلمون بأنّ المسيحين عبدة أوثان”.

    وعندما أخذ يذكر طلائع الإصلاح قبل مارتن لوثر، كان أثر الإسلام واضحًا وقويًا ولم يجرأ الرجل على جحده كما تفعل الكنيسة الآن، فيقول في ص 236: “كان البابا سلفستر الثاني الذي جلس على كرسي بطرس الرسول في فجر القرن الحادي عشر وهو حلقة لوصل بين حكمة العرب وجهل الرومان وتسليمهم الأعمى، فقد تعلم في المدارس الإسلامية وفي مدينة قرطبة، حيث استقى علوما نافعة ابتدأ أن يظهرها في روما ويعلمها للنّاس، ولكن بسبب روح الخرافة التي سادت ذلك الوقت نسب النّاس أعماله ومعارفه إلى فنون السحر لأنّ النّاس اعتقدوا أنّ مثل هذه القدرات لا يمكن إلاّ أن تكون نتيجة التحالف مع الشيطان”.

    وقد خطى هذا البابا خطوات تجاه الإصلاح نابعة من تأثره بالإسلام وثقافته به.

    ولم يكن دور سلفستر الثاني ثانويا في الإصلاح، فهو لا يزال أعظم من تصدى لفساد الكنيسة لاسيما فساد الأساقفة.

    يقول الخوري أسعد عيسى في كتابه (الطرف النقية في تاريخ الكنيسة المسيحية) ص209: “إنّ البابا سلفستر الثاني ثار ضد السلطة الكنيسة وهو يعد أعظم من كتب ضد الأساقفة”.

    شخص آخر في مقدمة طابور الإصلاح الكنسي وهو توما الإكويني الذي يلقبه الغرب “القديس والمعلم الملائكي” ويصفه أندرو ملير بأنّه أحد طلائع الإصلاح في المسيحية ويقول عنه: “أشهر قادة الفكر في القرن الثالث عشر، وخير مثال للرجل اللاهوت”.

    هذا الرجل الذي لا تزال مؤلفاته مرجعا هاما ومميزا في الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية يقول عنه جوستاف لوبون في كتابه تاريخ العرب ص 618: “إنّه مدين لابن رشد في كل علمه وإنّه متأثر بالإمام أبي حامد الغزالي”.

    ولا عجب فقد كان على صلة قرابة بأسرة الإمبراطور فريديك الذي كان عاشقا للثقافة العربية وقام هو وأسرته بترجمة الكثير من العلوم العربية إلى اللاتينية.

    رجل آخر ممن قاموا بأدوار عظيمة في إصلاح النصرانية وهو روجر بايكون، الذي يصفه القس جون لويمر في كتابه (تاريخ الكنيسة) بأنّه لوثر الأول والذي يضعه أندرو ملير في طليعة الإصلاحيين ويصفه بأنّه: “كاتب عبقري شهير ذو فكر ثاقب وبصيرة نافذة وكان له فهم واضح لمجريات الأمور في معاهد العلم وفي الكنيسة”.

    لم يكن بايكون ينقل للغرب سوى ما تأثر به من الحضارة الإسلامية، وهو القائل: “إنّ الفلسفة مأخوذة عن العرب، فلا تفهم كما يجب إلاّ إذا عرفت اللغة العربية “.
    وكان بايكون يلوم القس توما الأكويني لأنّه تعلم الفلسفة الإسلامية من المترجمات وليس من الأصل”. ألفريد جيوم (تراث الإسلام ص244).

    ويقول جريدودي روجرو في كتابه (تاريخ الفلسفة المسيحية ج3 ص7): “إنّ خصائص الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي قد تسربت من خلال الفلسفة تقريبا إلى العالم اللاتيني”.

    ويقول هنري دي كاستروا في (كتابه الإسلام ص145): “إنّ صلاح الدين كان يذكر في الأناشيد اللاتينية والفرنسية في العصور الوسطى، وظهر في إحدى الروايات يناقش الديانات، وأعظم عيب عاب به المسيحية هو عبادة البابا ومسألة الاعتراف”. وهي أول ما قامت حركة الإصلاح بإلغائه.

    هذا الأثر البالغ الذي أحدثه الإسلام على النصرانية لا تزال الكنيسة تنكره وتحاول إخفاءه وطمس معالمه، وليت الأمر ينتهي هنا، بل لقد قامت الكنيسة لترد الفضل إلى الإسلام عبر حرب صليبية شرسة تدور على كل المحاور الفكرية والثقافية والاقتصادية بل والعسكرية أيضا، لكن الحق أكثر إشراقًا من ظلام الباطل مهما استطال. وكما يقول ألفريد جيوم في كتاب (تراث الإسلام): “وسوف نرى حين تخرج إلى النور الكنوز المودعة في دور الكتب الأوروبية، إنّ تأثير العرب الخالد في حضارة العصور الوسطى، كان أجل شأنا وأكثر خطرا مما عرفناه حتى الآن”./?????????????=========(((((((( قصة ماما النصارى PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
    الكاتب/ Administrator

    في بداية القرن الحادي والعشرين كانت هناك مشكلة تؤرق الكنيسة المصرية كثيرا وتقض مضجع البابا وهي ظاهرة تحول كثير من النصرانيات للإسلام وخاصة بعد قضية زوجة القسيس التي سببت حرجا بالغا للكنيسة جعل الكنيسة تدعي أنها مخطوفة من قبل أحد المسلمين ثم ثبت كذبها عندما ظهرت هذه المرأة أمام وسائل الإعلام وكانت فضيحة للكنيسة ولم يكن هذا بالأمر الهين الذي تتقبله الكنيسة المصرية بسهولة ….
    بالإضافة إلى هذا كانت المشاكل الاجتماعية الكثيرة داخل الأسر النصرانية وازدياد قضايا التفريق بين الزوجين والمطالبة بإباحة الطلاق والخلع أسوة بالمسلمين وازدياد ظاهرة الانحلال الخلقي بين شباب الكنيسة من الجنسين تدعو لوجوب البحث عن علاج ما لكل هذه المشاكل . رأت بعض قيادات الكنيسة أن الحاجة ماسة لتعيين امرأة في منصب روحي كبير في الكنيسة لتكون أقرب للنساء والشباب في الاستماع لمشاكلهم والتفاهم معهم وتكون بمثابة أم حنون لهم ( ماما ) !!.
    تم عرض هذا الاقتراح في اجتماع المجلس الملي للكنائس المصرية الذي يترأسه البابا شنودة وأثار جدلا كبيرا بين الأساقفة الذين انقسموا بين مؤيد ومعارض وكانت حجة المعارضين وأشدهم البابا شنودة الذي خشي أن تهتز سلطته في الكنيسة إن جاءت ماما للأقباط تنافسه أن هذا الأمر بدعة غريبة ليس عليها دليل من كلام المسيح أو الأناجيل فرد أحد الأساقفة ممن تقدموا بهذا الاقتراح وهو ينظر للبابا شنودة بابتسامة متهكمة قائلا “وهل أمرنا المسيح أو الأناجيل أن نتخذ بابا ؟ ” بدا الارتباك على وجه البابا وأمر بفض الاجتماع سريعا بعد عمل تصويت على هذا الاقتراح الغريب..
    ———— ——— ——— —-
    بعد أن صوت أغلب الأعضاء لصالح هذا الاقتراح اضطر البابا شنودة كارها استحداث المنصب الجديد وهو منصب ماما الكنيسة المصرية. لقي هذا القرار ترحيبا كبيرا من عامة النصارى في مصر وأخذ الجميع يتطلع للمرأة التي سيقع اختيار الكنيسة عليها لكي تقوم بهذا الدور الخطير الذي من المنتظر أن يلعب دورا بالغ الأهمية في حياة الأسر النصرانية وخاصة النساء .. و قد كان.
    كان من الطبيعي أن يتم اختيار الماما من بين الراهبات وكان مفترضا أن يكون عمر الماما بين الخمسين والستين عاما لكي تكون أكثر حكمة ويشعر أكثر النساء أنها كالأم الحقيقية لهم … وبالفعل وقع اختيار الكنيسة على إحدى الراهبات المعروفة في الدير القديم الذي تحيا فيه بالتقوى والصلاح وكثرة العبادة . حاولت هذه الراهبة في البداية الاعتذار عن هذا المنصب إلا أن الكنيسة ألحت عليها أن تقوم بالدور الذي تعلق كثير من الأسر النصرانية الآمال عليه
    وافقت في النهاية هذه الراهبة على شغل منصب الماما لكي تصبح بذلك أول ماما للكنيسة المصرية وتم تخصيص مكتب لها في إحدي الكنائس الرئيسة في القاهرة تستقبل فيه القادمين والقادمات إليها من مختلف أنحاء الجمهورية
    ———— ——— ——— ——— ——— ——-
    بدأت الماما ممارسة عملها الجديد وكانت بالفعل الملاذ الآمن الذي يفد إليه النساء والشباب من كل مكان يبثونها آلامهم وشجونهم فكانت اليد الحانية التي تمسح دموعهم وتداوي جروحهم وكانت كلماتها بلسما شافيا لمشاكلهم الروحية والنفسية وأصبحت الماما محل احترام من الجميع. في ذات الوقت كانت الماما تنصح من ترى فيهن صدقا وإخلاصا ممن يفد إليها من النساء بالتفكر في ملكوت الله وإمعان النظر في حقائق الدين حتى يسطع النور في قلوبهن وحينها سوف يصلن لليقين الكامل الذي بعده سوف يصبح اتصالهن بالله مباشرة و تنجلي جميع الأزمات الروحية التي تواجههن و يصبحن في غنى عن الماما
    ونساء أخريات كانت تنصحهن الماما بالصبر صراحة حتى يجعل الله لهن مخرحا
    لم تكن كثير من النساء تفهم بدقة ماذا تعني الماما بهذه الكلمات إلا أن القليلات منهن فهمنها وأصبحن على علاقة وثيقة بالماما
    ———— ——— ——— —
    استمر الحال على هذا سنة وبضعة أشهر وكانت للماما خلوة في أوقات محددة من اليوم تناجي فيها ربها وكانت هذه الأوقات يعرفها الجميع ويحترم خصوصية الماما في هذه الفترات وكان غير مسموح لأحد الدخول عليها أثنائها وفي إحدى المرات بينما كانت الماما في خلوتها إذ دخلت عليها خادمتها العجوز بدون استئذان لتخبرها بأمر هام ناسية أن هذا الوقت هو وقت خلوة للماما إلا أن العجوز رأت منظرا لم تكن تتوقع أن تراه في حياتها لقد رأت الماما جالسة تقرأ في كتاب بخشوع والدموع تتساقط من عينيها
    عرفت العجوز هذا الكتاب بمجرد أن وقع بصرها عليه فهي لا تجهله أبدا وبمجرد أن رأت الماما العجوز أخذت تمسح دموعها بارتباك وهي تحاول إخفاء الكتاب الذي أمامها قائلة أنها كانت تناجي الله من أجل مشكلة لإحدي بناتها اللاتي يفدن إليها … لم تستطع هذه العجوز أن تخفي نظراتها المرتابة عن الماما فأخبرتها بما قدمت من أجله ثم خرجت سريعا
    توجست الماما خيفة من هذه الخادمة العجوز خاصة بعد أن تكرر معها موقف مشابه لهذا مرة أخرى وشعرت بنظرات الريبة تحوطها من هذه المرأة ومن بعض القساوسة الذين يعملون معها في الكنيسة ولم تستطع الصبر على ذلك .. وفي أحد الأيام قالت الماما أنها ذاهبة لزيارة إحدى الأسر التي لديها مشكلة ما ثم خرجت من الكنيسة وتوجهت مباشرة إلى مركز الشرطة القريب من الكنيسة وهناك كانت المفاجأة
    ———— ——— ——-
    تفاجأ الضابط الموجود في القسم آنذاك بماما الكنيسة المصرية التي يحبها النصارى أكثر من أمهاتهم ويأتون إليها كي تساعدهم في حل مشاكلهم جالسة أمامه لكي تبوح له بالسر ..
    انعقد حاجب الضابط من الذهول وهو يستمع إلى الماما وهي تخبره أنها اعتنقت الإسلام منذ عشرين سنة حين كانت في الدير ولم تعد صابرة على الحياة داخل الكنيسة وكتم إيمانها طول هذه المدة وأنها جاءت تطلب الحماية من الشرطة حتى لا تتعرض لأذى ….
    لم يدر الضابط المسكين ماذا يفعل إزاء هذا الأمر فقد أدرك أن هذه قضية خطيرة قد تتدخل فيها جهات عليا وبعد فترة من التفكير رأى أن أسلم حل له ولها أن يعتبر أنها لم تأت إليه من الأصل ثم يرسلها إلى إحدى الأسر المسلمة الطيبة التي يعرفها جيدا وتقيم في مكان بعيد عن الكنيسة كي تبقى لديهم فترة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا
    بالفعل ذهبت الماما للعنوان الذي أعطاها إياه الضابط وهناك وجدت ترحيبا كبيرا من هذه الأسرة الطيبة
    واستطاعت الماما لأول مرة أن تصلي لله رب العالين وهي آمنة لا تخاف أن يراها أحد ويا له من إحساس !
    ———— ——–
    شاع سريعا نبأ اختفاء الماما من الكنيسة بعد أن تأخرت عودتها مدة كبيرة وبعد عدة تحقيقات تبين للمباحث أن الماما مقيمة لدى إحدى الأسر المسلمة في منطقة شعبية وبعد أن تم استجوابها أعلن أمن الدولة أن الماما قد أسلمت باختيارها ولم يجبرها أحد على ذلك …
    فقد الأقباط رشدهم من هول المفاجأة ولم يقنعوا ببيان أمن الدولة وأخذوا يصرخون في كل مكان أن المسلمين قد اختطفوا أمهم وأنهم غدا سوف يخطفونهم واحدا واحدا !!
    تلاحقت الأحداث سريعا وانطلقت جموع الأقباط صوب العباسية وهناك اندلعت المظاهرات الغاضبة تدعو إلى إعادة الماما المخطوفة وفي وقاحة منقطعة النظير تضرع بعض الأقباط لأمريكا وإسرائيل بالتدخل عسكريا في مصر لإنقاذهم من اضطهاد المسلمين !!
    وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأحداث كان لابد للماما أن تظهر جليا على الملأ لكي يستمع لها الرأي العام وبالفعل ظهرت الماما ذات الخمسة وخمسين عاما والتي استطاعت الآن أن تقيم في دولة أخرى غير مصر بعد أن سافرت لأداء العمرة في حوار على إحدى الفضائيات العربية وفيه أعلنت مرة أخرى أنها مسلمة منذ عشرين سنة وأنها تحفظ القرآن كاملا وأنه قد أسلم على يديها من النساء اللاتي كن يأتين إليها في الكنيسة إحدى عشرة امرأة وطفلان …
    وفي سؤال لها حول ملاحظاتها حول فترة عملها بالكنيسة كأم للمسيحيين قالت الماما التي غيرت اسمها إلى خديجة أن الكثير من المشاكل النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الأقباط ناتجة من الخواء الروحي الذي يشعرون به وعدم القناعة الكاملة بالعقيدة النصرانية وهذا أمر لمسته في كثير من النساء اللاتي قابلتهن في الكنيسة لإن العقيدة الصحيحة تجعل صاحبها مطمئن القلب منشرح الصدر.. وحينما سئلت خديجة عما إذا كانت تعرف راهبات أخرى يكتمن إسلامهن مثلها لاذت بالسكوت ولم تجب !!
    ———— ——— ——— ——
    في ختام الحوار أعلنت خديجة أنها لم تعد أما لأحد من النصارى وعلى النساء اللاتي افتقدنها أن ينهلن مما نهلت هي منه طوال عشرين عاما – من القرآن الكريم – ففيه الشفاء والدواء وفيه الإجابة على جميع الأسئلة الحائرة والهداية للنفوس التائهة
    ثم تلت الآيات :” يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا . لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
    أصيبت الكنيسة المصرية بإحراج شديد بعد هذه المقابلة وللحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها ادعت كالعادة أن خديجة قد أحبت أحد الرجال المسلمين وأنها تحولت للإسلام كي تتزوجه!!
    انتهز البابا شنودة هذه الفرصة لإلغاء منصب الماما رسميا من الكنيسة ومعاقبة الأساقفة الذين اقترحوا هذا الأمر
    وعادت الكنيسة المصرية لها بابا وليس لها ماما !!
    كتبها / طارق أبو عبد الله
    ملحوظة: القصة غير حقيقية لكنها واقعية????======)))))((((((مقال البطريرك زكا عيواص الاول

    عرّفت الحضارة بأنها “مجموع الخصائص الاجتماعية والدينية والخلقية والتقنية والعلمية والفنية الشائعة في شعب معين”. والانسان ابن بيئته وصنيع المكان والزمان؟ ويعتبر الموطن الاصلي للشعب العربي المسيحي والمسلم، شبه الجزيرة العربية الواقعة في جنوب غرب آسيا وهي قليلة المياه كثيرة الجبال والصخور، مجدبة وغلب على سكانها البداوة وقد فرضت عليهم طبيعة بلادهم المجدبة ان يربوا الابل وسائر الانعام للسير عليها والارتزاق منها. وكانوا يتنقلون من موضع الى آخر طلبا للكلأ لأنعامهم. وتنقّل بعضهم من بلد الى بلد للتجارة رغم وعورة الطرق، وهكذا خرجت جماعات منهم الى العراق وسوريا وسائر بلاد الهلال الخصيب.

    واتصف العرب بالذكاء الفطري وظهر فيهم شعراء مبدعون كانوا يتناشدون ما احدثوا من الشعر سنويا في سوق عكاظ في الحجاز. وكان مجتمعهم عشائريا، وقلما ارتبطت قبيلة بأخرى، الى ان وحّدهم الاسلام.

    دخول المسيحية الجزيرة العربية

    ولم تكن احوالهم الدينية منظمة وكانت اغلب قبائلهم وثنية صرفة.
    ودخلت المسيحية الجزيرة العربية منذ القرن الاول للميلاد، وانتشرت مع مرور الزمن انتشارا سريعا في عدد كبير من القبائل العربية عبر بادية الشام والعراق، كقبائل ربيعة وبني تغلب وبني كلب، كما تنصّر من اليمن طي وبهراء وسليخ وتنوخ وغسان وغيرها.

    ومما عرقل انتشار الدين المسيحي في الجزيرة العربية انقسام الكنيسة المسيحية على ذاتها والصراع العقائدي السقيم بين ابنائها. وكان المسيحيون العرب يتفاعلون مع الاحداث في مجتمعهم في الجزيرة العربية. فاشتهر منهم في اواخر القرن السادس واوائل السابع للميلاد قس بن ساعدة الايادي اسقف نجران الذي دعي حكيم العرب وخطيبها وشاعرها، وورقة بن نوفل بن اسد اسقف مكة؟؟؟((هذا كذب من الكاتب العربي الذي يعرف الحق فليس في مكة كنيسة ليكون لها بطريرك كم يزعم “زيكو حرامي العلقة” ولكنه رجل سمع اقوالا من النصرانية الحقة التي لم تحرف وقد اسلم بعد سماعة للنبي صلي الله علي وسلم ووعد بمساعدته ولكنه مات قبل نشر الرسالة”””))). وهو ابن عم خديجة زوج الرسول العربي الكريم. وكانت مكة يومئذ مليئة بالمسيحيين؟؟؟هذا كذب فان العرب كانوا علي بقية من دين ابراهيم ولم يتبعوا اليهودية المحرفة والمسيحية المحرفة ولم يكن هناك كتاب مقدس الا منذ اخترع جوتنبرج الة الطباعة وكان من يضبط عنده الكتاب المقدس يقتل حرقا”””، وكان معظم نصارى مكة واليمن ونجران من السريان. وكان عدد كبير من عرب نجران قد اضطهدهم مسروق اليهودي الذي يدعى ذو نؤاس في اوائل القرن السادس للميلاد محاولا اكراههم بالوعد والوعيد على اعتناق اليهودية فرفضوا فسامهم صنوف العذاب وحرقهم مع ملكهم الحارث في اخدود النار سنة 523. وهم الشهداء الحميريون اصحاب الاخدود.

    وكان العرب الغساسنة في سوريا قد شكلوا امارة مهمة، واسند قياصرة الروم الى امرائهم آل جفنة عمالة سوريا، فكانوا يحمون الحدود البيزنطية من هجمات القبائل العربية الموالية للفرس، وكانوا متمسكين بكنيستهم السريانية ويدافعون عن عقائدها.

    حالة المسيحيين عند ظهور الاسلام
    وعندما ظهر الاسلام في اوائل القرن السابع للميلاد وجد المسيحيين في الشرق الاوسط منقسمين الى ثلاث فئات تعرف اليوم باسم الروم الارثوذكس والسريان الارثوذكس وابناء الكنيسة الشرقية اي الاثوريين، فاعترف الاسلام بهم جميعا. وفي معرض كلامي عن “الاسلام والمسيحية تكامل تاريخي في بناء الحضارة العربية”، لا بد من ان اتكلم على الكنيسة المسيحية بصورة عامة، وكنيستي السريانية الارثوذكسية بصورةخاصة لعلاقتها التاريخية المتميزة بالعرب والاسلام عبر الدهور.

    عندما انعقد مجمع خلقيدونية عام 451 وتبنت الدولة البيزنطية قراراته، اثارت اضطهادات عنيفة ضد رافضيها وفي مقدمتهم اتباع الكنيسة السريانية في سوريا الطبيعية، فتحمل آباؤها الروحيون من جراء ذلك صنوف العذاب من نفي وسجن وقتل، واستشهد منهم عدد كبير. ولئن تذرعت الحكومة البيزنطية باثارة الاضطهادات العنيفة على السريان بحجة رفضهم قبول قرارات مجمع خلقيدونية، ولكن الدافع الاول والاهم من وراء محاولة ابادتهم كان قمع الافكار التحررية، والوعي القومي الذي دب في صفوفهم وتولد في قلوبهم من قسوة المستعمر البيزنطي الذي سلب سوريا خيراتها الطبيعية.

    ولم تنته اضطهادات المملكة البيزنطية للكنيسة السريانية الا بظهور الاسلام حيث خرجت موجة من الذين دانوا به من الجزيرة العربية وحررت بلاد المشرق من حكم البيزنطيين والفرس في النصف الاول من القرن السابع للميلاد وكانت عوامل عديدة نفسية ودينية واجتماعية وقومية متوافرة لدى السريان سكان البلاد الاصليين لاستقبال اولئك العرب المسلمين الذين جاؤوا لتحرير البلاد من نير الحكم البيزنطي الظالم، ورحب السريان بقدوم العرب المسلمين الفاتحين واستقبلوهم كمحررين للبلاد خاصة وان معظم القبائل العربية في العراق وسوريا كانت دينا مسيحية على مذهب السريان، وايدت هذه القبائل العرب المسلمين الذين يمتون اليها بصلة الدم واللغة والتراث والحضارة لذلك انضمت اغلبها الى الجيش العربي المسلم تحت امرة المثنى بن حارثة الشيباني (ت 635) وخاصة قبائل بني تغلب وعقيل وتنوخ وربيعة الضاربة في شمال العراق وغربه، فحاربت جنبا الى جنب مع العرب المسلمين وتم القضاء اولا على الدولة الفارسية سنة 651م حينما فر (يزدجرد) آخر ملوكهم الى ما وراء حدود بلاده. ويذكر التاريخ ان غلاما مسيحيا سريانيا من بني تغلب قتل المرزبان مهران القائد الفارسي واستولى على فرسه اثناء احدى المعارك التي دارت رحاها بين العرب والفرس وانشد الفتى قائلا: انا الفتى التغلبي، انا قتلت المرزبان. كما حرر العرب المسلمون سوريا وبقية بلاد الشرق الاوسط من الاستعمار البيزنطي، وتنفس السريان الصعداء وقالوا: “نحمد الله الذي خلصنا من حكم البيزنطيين الظالمين وجعلنا تحت حكم العرب المسلمين العادلين”.

    البطريرك زكا عيواص الاول
    Published: 2005-06-24

    http://www.tebayn.com/Tebayn%20Arabic/index.asp?pageID=1&SID=15&Ln=En

    سبحان الله, لماذا نصارى سوريا و الأردن و باقى العالم العربى يعترفون بفضل الإسلام عليهم و كيف انقذهم من ظلم الكاثوليك إلا نصارى مصر

  4. شفرة دافنشى والمؤسسة الكنسية)))))))))))))))))))))))))) )))))))))))))))))))))))

    المتابع لأخبار رواية ” شفرة دافنشى ” لا بد وان يصاب بالدهشة والفضول من كثرة ما اثارته من ردود أفعال فى الساحة الإعلامية الدولية بعامة، وخاصة فى المجال الإعلامى للمؤسسة الكنسية الفاتيكانية ، التى انتابها رد فعل كاد يصل – وفقا لما يقال فى الصحف و المواقع الإلكترونية – الى درجة الهلع بين رجالها.
    وعلى الرغم من ان رواية دان براون قد ظهرت عام 2003 إلا ان ردود الأفعال التى أثارتها ، خاصة فى المجال الكنسى، لم تبدأ إلا بعد ان انتشر توزيعها و تعددت ترجماتها و تناولتها اقلام النقاد بالتعريف والتعليق على اهم ما جاء بها كقضية قادرة على ان تهز أركان الكيان الكنسى إن لم تكن قادرة على أن تأتى عليه برمته – على حد قول العديد من النقاد.. أى ان الرواية ، فى بداية مشوارها ، قد أفلتت من لجنة محاكم التفتيش ، المعروفة حاليا باسم : لجنة عقيدة الإيمان ، الخاصة بمراجعة ومتابعة كافة الإصدارات لكى تتصدى لمن يحاول المساس بما فرضته المؤسسة الكنسية عبر المجامع على على مر العصور .. ويرجع سبب إفلات الرواية إلى العنوان الذى لم يكن يدل على أن محتواه قادر على هدم أوصال ذلك الكيان العتيد..

    وقد تمت ترجمة الرواية إلى 44 لغة ، وبيعت منها ست و أربعين مليون نسخة ، بحيث أصبحت تمثل اكثر الروايات بيعا فى العالم ، او لعله رقم لم تحققه أية رواية أخرى .

    واذا ما تأملنا كمّ ما أثارته من ردود أفعال لرأينا انه قد صدر بشأنها بالفرنسية فقط ودونا عن اللغات الأخرى أكثر من عشرة كتب ، ثلاثة منها على الأقل بأقلام كنسيين ، ومنهم القس كلود هود الذى أصدر كتابا بعنوان : “أكاذيب شفرة دافنشى” ، والباقى لأشخاص تابعين للكنيسة أو كتبوها بإيعاذ منها .. وتعدت المداخلات الإلكترونية المليونين مداخلة وموقع على شبكة الياهو الفرنسية ، اضافة الى المواقع الثابتة التى أضافتها المواقع الكنسية فى أبوابها الثابتة .. وقامت مؤسسة ” اوبس داى” وتعنى : “عمل الرب “، وهى من كبرى المؤسسات الكنسية السياسية تدخلا وسيطرة بالطلب من شركة سونى كولومبيا ، المنتجة للفيلم المأخوذ عن الرواية ، أن تضع على إعلانات الفيلم لافته تقول أنه لا علاقة لهذه الأحداث بالحقيقة ، إلا أن الشركة لم تعر تلك المؤسسة اى إلتفات .. كما قامت المجلة التبشيرية الفرنسية المعروفة باسم : “إيل إيه فيفان” أى : “أنه حىّ ” التابعة لمنظمة عمانويل ، بطباعة 350000 نسخة من كتيب مكون من ستة عشر صفحة توزعه مجانا لمن يطلبه ليساعد فى الحملة التى تقودها المؤسسة الكنسية للتصدى للفيلم قبل ظهوره ، وذلك للحد من تأثيره على الأتباع ، وهو فى نفس الوقت كتيب تبشيرى يقوم بتسهيل المهمة على من يقبل القيام بها !..

    كما تطالب المؤسسة الكنسية الفاتيكانية وكافة منظماتها الأتباع بأن يندمجوا فى حملة التبشير الواسعة الى تقودها للتعريف ” بحقيقة ” المسيحية وما تقوم به من نشاطات تبشيرية ومساعدات رامية الى التبشير خاصة فى إفريقيا وغيرها من البلدان..

    وكانت آخر المحاولات المستميتة من الجانب الكنسى للتصدى لهذا الفيلم قبل ظهوره ، ما أعلنه موقع “inXL6″ المسيحى عما قام به بعض دارسى اللاهوت فى مدينة كان الفرنسية والتى سيقام بها المهرجان السينمائى الدولى ، من عمل اسطوانة” دى فى دى ” ، عبارة عن فيلم يردّون فيه على الفيلم المأخوذ عن الرواية ويدافعون فيه عن العقيدة الكاتوليكية بالرد على كافة الأسئلة التى قد تتبادر إلى ذهن أى شخص ، وذلك بالتعاون مع كبار اساتذة اللاهوت لتفنيد ما يقال حول العلاقة بين السيد المسيح ومريم المجدلية ، وحول حقيقة الأناجيل التى استبعدتها الكنيسة ، وحول مسألة تأليه السيد المسيح التى تمت فعلا فى مجمع نيقية عام 325 م، وحول حقيقة دور منظمة “عمل الرب” الشهيرة بتدخلاتها السياسية . وقد قام مركز الدراسات اللاهوتية بمدينة كان بانتاج هذا الفيلم وتوزيعة بالتعاون مع مواقع اخرى ..

    وباختصار شديد يمكن القول إجمالا أنه ما من جريدة أو مجلة فى العالم سواء أكانت عامة أم متخصصة إلا وتدخلت بصورة ما فيما يطلقون عليه بحق ” معركة شفرة دافنشى ” ، وذلك بكتابة مجرد مقال إخبارى ،أوعدة مقالات ، أو بتخصيص ملزمة أو عددٍ بأسره لتناول هذه الرواية بالتأييد او بالنقد.

    وفى نبأ صادر عن وكالة الانباء الفرنسية يوم 12 أبريل 2005 ، بقلم بارى جيمس ، والموضوع اساساً كان عن منظمة “عمل الرب” ، ينتهى بعبارة : “أن الفاتيكان قد اسند حديثا الى كبير الأساقفة ترشيازو برتونى مهمة محاربة الهرطقات الواردة فى رواية شفرة دافنشى ، اكثر الروايات تحقيقا لأرقام قياسية ، والتى يقول فيها أن أحد اساقفة منظمة “عمل الرب” قد أمر أحد الرهبان من نفس المنظمة بالقيام بعملية إغتيالات” ..

    وفى 15 أبريل 2005 ، نشرت مجلة ” نوفل أوبسرفاتير” الفرنسية قائلة : ” بينما الكرادلة يعدّون لإجتماع المجمع فى اكبر سرية ممكنة ، توجد منظمة كاتوليكية تلعب دورا ضخما فى إنتخاب البابا الجديد : انها منظمة “اوبس داى” (عمل الرب) الشديدة التأثير والشديدة التعصب ، التى صورها دان براون ، الكاتب الأمريكى ، فى أحسن الروايات تحقيقا للمبيعات : شفرة دافنشى”. وبعد أن أوضح دانييل وولز كاتب المقال أن اثنان من الكرادلة المجتمعين لإختيار البابا الجديد ينتميان الى هذه المنظمة التى وضعت هدفا يرمى الى اسناد دور اكثر فعالية للعلمانيين فى عمليات التبشير(…) وفى تعيين احد أعضائها ، خواكيم نفارو-فالس ،فى المنصب الشديد الحساسية كمتحدث رسمى باسم الفاتيكان” !!

    وفى الثامن والعشرين من أبريل 2006 قام الرجل الثانى فى الفاتيكان ، الأسقف أنجيلو آماتو بعقد مؤتمر صحفى طالب فيه الأتباع بمقاطعة الفيلم وعدم الذهاب لمشاهدته لأنه : ” شديد المعاداة للمسيحية وملىء بالفريات والإهانات والأخطاء التاريخية واللاهوتية ضد يسوع و ضد الأناجيل وضد الكنيسة”.. ثم انهى مؤتمره الصحفى مطالبا الأتباع بمقاطعة الفيلم مثلما سبق وقاطعوا فيلم مارتن سكورسيز عام 1988 المعنون : ” آخر إغراء ليسوع ” الذى تعرض بصورة اخرى لنفس علاقة السيد المسيح بمريم المجدلية.

    وفى 8/5/2006 أعلن الكاردينال آرنزى ، وكان من المرشحين لمنصب البابوية بعد وفاة يوحنا بولس الثانى ، قائلا : ” ان المسيحيين لا يجب ان يقفوا مكتوفى الأيدى مكتفين بالتسامح والنسيان ، ولا بد من القيام بشىء إيجابى كاللجوء إلى القضاء ، وهى وسيلة يمكن الرجوع إليها لكى يحترم الآخرين حقوقنا ” .. والمقصود بالآخرين هنا هو كل من لا يتعاطف مع تلك المؤسسة سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم !

    وفى استطلاع للرأى نقلته مجلة “نوفل اوبسرفاتير” الفرنسية عن مجلة ” العلم والحياة ” خبر يؤكد ان 31 % من الفرنسيين مقتنعون تماما بأن رواية شفرة دافنشى مستوحاه من حقائق واقعية ..

    أما موقع دراسات ألفا الإلكترونى التبشيرى فقد أصدر كتيباً من 32 صفحة أورد فيه المداخلة التى قام بها القس نيكي جومبل المسؤل عن ذلك الموقع فى لندن ، وهو يرد فيه على ما اورده دان براون من معلومات وحقائق مزعجة للكيان الكنسى . كما تم وضع نفس الكتيّب على شبكة النت لمن يرغب فى طبعه او قراءته.. إضافة الى الإعلان عن توزيعه على الطوابير التى تقف او ستقف لحجز مكان لمشاهدة الفيلم !..

    ومن المفترض أن يفتتح مهرجان كان السينمائى التاسع والثلاثين يوم 17 مايو الحالى ، أى بعد بضعة أيام ، بعرض فيلم “شفرة دافنشى” ، وسوف يعرض فى الدور الفرنسية فى نفس ذلك اليوم ، واعتبارا من 19 مايو ، أى بعد ذلك بيومين ، سيتم عرضه على الجمهور فى قاعات العرض الأمريكية و العالمية .

    واذا ما كانت قصة الفيلم تتناول أساسا فكرة ان السيد المسيح لم يُصلب ولم يُقتل وإنما عاش وامتد به العمر وتزوج من مريم المجدلية ، فإن هذه الفكرة تحديدا ليست من بنات أفكار دان براون وانما هى ترجع إلى إنجيل فيليب الذى تم اكتشافه مع العديد من الوثائق الأخرى فى نجع حمادى بصعيد مصر سنة 1945، وتم التعتيم عليه فترة ثم تم نشره منذ بضعة سنوات .. أى انه فى واقع الأمر من الأناجيل المتعددة التى استبعدتها الكنيسة لأنها تناقض او لا تتمشى مع المنظومة التى فرضتها على الأتباع منذ القرن الرابع الميلادى. وهو نفس الشىء الذى حدث مع إنجيل يهوذا الذى تم اكتشافه آنذاك ثم تعرض للعديد من المتاهات قبل ان تقوم مجلة ” ناشيونال جيوجرافيك ” العالية بترجمته ونشر نصه الشهر الماضى كما تصدر غلاف عددها الصادر فى مايو 2006.

    أما القس السابق لويجى كاتشيولى ، الذى كان اول من قام برفع قضية على الكنيسة الكاتوليكية فى إيطاليا بسبب ترويجها الأكاذيب وفرضها على الأتباع وبسبب إحلالها شخصية مزيفة باسم يسوع المسيح ، وقامت المحكمة الإيطالية بحفظها ، فاضطر الى القيام برفع نفس الدعوى الى محكمة حقوق الإنسان فى مدينة ستراسبور ، فى 6 مارس 2006 ، والقضية برقم 14910/2006 ، فقد نشر تعليقا بموقعه الألكترونى حول ما تطرحه رواية دان براون من معلومات ، مؤكدا ان السيد المسيح كان متزوجا من مريم المجدلية ، مستشهدا على ذلك بما ورد فى إنجيل فيليب الذى نطالع فيه أن : ” مريم ، التى كانت زوجة السيد يسوع ، كانت دائما بصحبته. وكان السيد يسوع يحب مريم المجدلية اكثر من الأتباع الآخرين وكثيرا ما كان يقبلها على فمها ” . كما يستشهد كاتشيولى بما ورد بالبردية رقم 8502 فى برلين ، المسماه إنجيل مريم ، والتى تشير الى الغيرة والبغضاء بين الحواريين ، وخاصة سمعان / بطرس ، مؤكدا ما كان السيد المسيح يكنه من تمييز لمريم المجدلية إذ نطالع : ” ترى هل يسوع قد تحدث سراً إلى زوجته قبل ان يحدثنا صراحة ؟ هل يتعيّن علينا جميعا ان نهان وان نخضع لها ؟ ترى هل يكون قد فضّلها علينا ؟ ” ..

    ويشير كاتشيولى الى أن إنجيل فيليب يتضمّن إشارة اخرى ، إذ يقول سمعان / بطرس الى باقى الحواريين : ” يجب على مريم المجدلية ان ترحل عن جماعتنا لأن النساء لسن جديرات بالحياة ” .. إلا ان السيد المسيح الذى سمع قوله أجابه قائلا : ” سأقودها لتصبح رجلا كى يمكنها ان تكون مناضلا مثلنا ” ! وذلك اضافة الى باقى التفاصيل التى يوردها فى كتابه..

    وبذلك يكون كاتشيولى اول من اشار فى الفصل الثانى عشر من كتابه المعنون : ” خرافة يسوع” الى لوحة العشاء الأخير التى رسمها الفنان ليوناردو دا فنشى وصور فيها مريم المجدلية عن يمين يسوع. . وهى اللوحة التى استشهد بها دان براون فى روايته مشيرا الى ان فنان عصر النهضة المبدع كان على علم بزواج السيد المسيح من مريم المجدلية. وهى اللوحة التى علّق عليها احد المداخلين قائلا : ” لابد وان يكون الإنسان أعمى لكى لا يرى ان هذا الوجه يمثّل امرأة بكل وضوح”

    ولعل القارىء يتساءل عن كل ردود الأفعال هذه التى اُثيرت حول رواية ” شفرة دافنشى” ، وهل تستدعى فكرة زواج السيد المسيح من مريم المجدلية كل هذه الجهود المضنية من جانب المؤسسة الكنسية ؟ فهى جهود تحرّك الآلاف من جحافل المبشرين والكنسيين والأتباع الذين ينساقون لقيادتهم وتوجيهاتهم .. وهنا لابد لنا من توضيح أن الرواية ، التى يصل عدد صفحاتها فى الترجمة الفرنسية الى 570 صفحة ، تتضمن ما يكوّن حوالى خمسين صفحة من المعلومات والحقائق المتعلقة بالمسيحية وبالكيان الكنسى ، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر مجرد ما يلى :

    * انتقاد مجمع الفاتيكان الثانى الذى خرج عن التعاليم الراسخة للكنيسة والمسيحية وفتح الباب على مصراعيه لليبرالية فى الكنيسة لتغيير العقائد وإعادة صياغتها (صفحة 186).. ولا يسع المجال هنا لسرد كل ما تم من تغيرات فى العقيدة لصالح الصهاينة وغيرها كثير – ولعل ذلك هو ما ساعد على تزايد موجة الإلحاد فى الغرب المسيحى .* اتهام الكيان الكنسى بقيادة حروب صليبية لإقتلاع الديانات الوثنية وعبادات الآلهة الأخرى فى القرون الأولى ، وانه خلال هذه القرون وطوال ما عرف بعصر الظلمات تم إحراق خمسة ملايين امرأة على المحارق بأمر من الكنيسة (صفحة 252).. ولا نقول شيئا عن الملايين الأخرى التى تم حرقها أو قتلها من الرجال والأطفال إذ تورد العديذ من المراجع الحديثة رقم 68 مليونا من البشر..

    * أن الكتاب المقدس عمل بشرى كتبه العديد من الأشخاص فى فترات مختلفة ، وكثيرا ما كانت مضللة ، وتطوّر خلال العديد من الترجمات والإضافات والتعديلات (صفحة 289) .. ولعل المقدمة التى كتبها القديس جيروم ، فى القرن الرابع ، للعهد الجديد ، بعد ان قام بتبديل و تغيير نصوص العشرات من الأناجيل لكى يقوم بعمل العهد الجديد الحالى بأمر من البابا داماز لهو اكبر دليل على ما يطرحه دان براون من معلومات. وللعلم : فإن هذه المقدمة توجد ترجمتها فى عدة مواقع إلكترونية!

    * انه كان هناك حوالى سبعين إنجيلا لكن الكنيسة استبعدت كل ما يخالف روايتها واحتفظت بأربعة منها فقط ، وانها خلقت بذلك ديانة هجين مكونة من عدة نصوص واساطير ( صفحة 290) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة والتى بدأ تيارها منذ اكثر من مائة عام تثبت بالتفصيل ما تم اخذه او نقله من تلك النصوص والأساطير ..

    * انه كان من مصلحة الكنيسة آنذاك ان يتم الإعتراف بيسوع على انه المسيح الذى أعلن الأنبياء اليهود عن قدومه وانها سرقته من اتباعه الأوائل وحرّفت تعاليمه ووظفتها لفرض نفوذها (صفحة 292) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة وخاصة ما صدر منها بعد مجمع الفاتيكان الثانى ، يؤكد ذلك ، والكثير من هذه الأبحاث بأقلام كنسيين سابقين..

    * ان الغالبية العظمى من المثقفين فى الغرب يعرفون هذه الحقائق ويعرفون تماما تاريخ عقيدتهم صفحة 292).. ولعل التعليق المُقنع على هذه المعلومة هو تزايد موجة الإلحاد بين الأتباع أو ابتعاد الكثيرين منهم خاصة من هم من رجالها والذين يطلق على خروجهم : النزيف الصامت للكنيسة !

    * ان ما يضايق هؤلاء المثقفين هو ان يتم تأليه يسوع بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون ، علما بأن هناك المئات من النصوص التى تحكى حياته كإنسان بشرى ، وان الإمبراطور قسطنطين قد أمر وقام بتمويل كتابة عهد جديد يستبعد كافة الاناجيل التى تتناول الجانب الإنسانى وتعديل ما تجعله يبدو الهياً وحرق الأناجيل الأخرى (صفحة 293) .. وهو ما دفع بواحد مثل جوزيف هويليس ، وكان من كبار رجال القانون فى الولايات المتحدة وبينما كان فى منصبه القانونى ، الى كتابة ذلك الكتاب الذى هز اركان المؤسسة الكنسية عند صدوره عام 1920 ، وكان بعنوان : ” التحريف فى المسيحية ” ..

    * ان بعض هذه الأناجيل الأخرى قد أفلت من الإبادة وانه قد تم العثور على عدد منها فى الوثائق والمخطوطات التى تم العثور عليها فى كل من نجع حمادى بصعيد مصر ومنطقة قمران بالبحر الميت ، وان التناقضات والإختلافات الجذرية الواردة فى الأناجيل الحالية تؤكد انها عبارة عن نصوص متراكمة وتمت صياغتها من اجل برنامج سياسى هو : تعميم عملية تأليه يسوع وتدعيم السلطة القائمة آنذاك (صفحة 294) .. لقد باتت هذه المعلومة من الحقائق الدارجة إذ تورد موسوعة بريطانيكا ان هناك مائة وخمسون الف تناقض و تحريف فى الكتاب المقدس ، بينما رفع العلماء حديثا هذا الرقم الى ثلاثمائة الف فى كلا العهدين ..

    * ان روما تريد اقناع العالم بأن النبى يسوع كان إلها أو انه الله ، لذلك استبعدت كل ما ينفى ذلك (صفحة 306) ، وتلك هى القضية الحقيقية بكل مرارتها أو الخلاف الرئيسى بين المسيحية والإسلام ، وهاهى قد أصبحت أيضا بين العلماء والأتباع ..

    * كان يسوع يهوديا وفى أيامه كانت العذوبية مدانة وكان على كل أب يهودى ان يبحث عن زوجة صالحة لإبنه. واذا لم يتزوج يسوع فكان لا بد من الإشارة الى ذلك على الأقل فى أحد الأناجيل الأربعة ومعه تبريرا لهذا الوضع غير المألوف (صفحة 307) .. وهى حقيقة تاريخية عقائدية لفى الشرع اليهودى الذى كان السيد المسيح يتبعه و خلاف عليها .

    * ان اللوحة رقم 107 بند 32 من انجيل فيليب تقول : ” كانوا ثلاثة يمشون دائما مع المعلم: مريم أمه ، وأخت أمه ، ومريم المجدلية المعروف أنها كانت رفيقته (koinonos ) لأن مريم بالنسبة له كانت أختاً وأماً وزوجة ” .. وفى اللوحة رقم 111 بند 55 نطالع “.. رفيقة الإبن هى مريم المجدلية والمعلم كان يحب مريم اكثر من كل التلاميذ ” والمعروف ان كلمة “رفيقة” koinonos بالآرامية تعنى ” زوجة” (صفحة 308) ، وهذه المعلومة تتفق وما هو معروف حول وجود قبر للسيد المسيح فى بلدة سريناجار فى الهند ، أى انه عاش وسافر حتى استقر به المطاف هناك ورفعه الله اليه عند انتهاء عمره ولم يقتل ولم يصلب .. وهو ما تتناوله العديد من الأبحاث منذ كتاب جيرارد ميسادييه المعنون : “الرجل الذى أصبح الله ” !

    * ان أحد أسباب الحروب الصليبية كان البحث عن أية وثائق تتضمن معلومات عن مريم المجدلية التى كانت تمثل خطرا داهما على الكنيسة آنذاك ، فقد كان يسوع قد اسند اليها هى تكملة الرسالة وليس الى بطرس، بل كانت تمثل الدليل المادى علىان “ابن الله ” الذى اخترعته الكنيسة قد انجب خلفا بشرياً ! وانه لكى تحمى نفسها من وضع مريم المجدلية قامت الكنيسة بفرض صورتها كعاهرة ومحت أثر زواجها بيسوع .. إذ كان من المحال للكنيسة ان تستمر بعد ذياع خبر زواج يسوع وإنجابه.. ولكى يمكن للمؤسسة الكنسية إعلان أنها وحدها هى طريق الخلاص والحياة الأبدية ، كان لا بد لها من فرض وتأكيد الوهية المسيح (صفحة 318) .. والدليل على أن السيد المسيح لم يشأ أن يكون بطرس هو خليفته ، كما فعلت المؤسسة الكنسية ، ما نطالعه فى إنجيل متى عندما وصفه السيد المسيح بأنه ” قليل الإيمان “(متى 14:31) وعندما التفت : ” وقال لبطرس إذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لى لأنك لا تختم بما لله لكن بما للناس” (متى 26:23) ..

    واذا ما تأملنا كل هذه النقاط وغيرها كثير ، لوجدنا أنها عبارة عن حقائق أصبحت واردة فى معظم الأبحاث التى بدأت تظهر منذ عصر التنوير ، بشق طريقها بصعوبة فائقة ، وتواصلت حتى يومنا هذا ، فى تزايد لافت للنظر ، بحيث أصبحت مثل هذه المعلومات ، فى الإصدارات التى ظهرت فى العقود القليلة الماضية ، تبدو وكأنها عبارة عن معلومات دارجة بين العلماء والباحثين من كثرة ما صاحبها من دراسات قائمة على الوثائق والتحليلات اللغوية ومراجعة الترجمات السابقة. وهو ما دفع بأحد العلماء ليقول أن الفرق الذى يوجد بين ما توصل اليه العلماء والباحثين فى أصول المسيحية وتاريخها و بين عامة الجمهور هو جهل يصل الى درجة الأمية ! فما يعرفه العلماء فى وادٍ ، وما يُسمح بنشره للعامة فى وادٍ آخر – وهى بكل أسف حقيقة نعيشها فى العديد من المجالات وليس فى تاريخ المسيحية وحدها !..

    أى ان ما قام به دان براون فى الواقع هو دمج بعض المعلومات والحقائق أو المعطيات العلمية التاريخية فى قصة روائية رائعة الحبكة ، من خلال حوار مختصر ، واضح ، وبسيط بين ابطالها. .

    ويبقى التساؤل مطروحا حتى ظهور الفيلم وعرضه على الجمهور : ترى هل نجح العاملون فى المجال السينمائى فى نقل كل تلك الحقائق الثابتة علميا وتاريخيا ، والتى أوردها دان براون بوضوح، أم ان مقص الرقباء قد لعب دورا بين الكواليس ؟! وإن كان هذا التساؤل التقليدى فى حد ذاته لا يمنع من أن نتأمل كل تلك ردود الأفعال التى دبّت بين أرجاء المؤسسة الكنسية للحيلولة دون وصول هذا الفيلم الى الجمهور أو للتعتيم و التشويش على ما يقدمه من حقائق ..

    فإن كان ما تتضمنه رواية ” شفرة دافنشى ” مجرد فريات وإدعاءات وأكاذيب ، كما تررد كافة المؤسسات الكنسية والمواقع الإعلامية والإلكترونية التابعة لها ، هل كان الأمر يتطلب كل تلك الجهود المستميتة التى لم نُشر إلا إلى جزء ضئيل منها مما تم فى فرنسا وحدها ؟! بل هل كانت تلك الأكاذيب والفريات تستدعى أن يتم مصادرة الترجمة العربية للرواية ومنع تداولها فى بعض البلدان العربية والإسلامية التى يتألق فيها نفوذ المؤسسة الكنسية ؟!

    وتبقى علامات الإستفهام مطروحة؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ..

  5. وســـائل المنصِّريــن تمهيــد: قبل الخوض في عدِّ الوسائل لابدَّ من توزيعها بحسب أنواعها وأنماطها. فهناك وسائل صريحة وأخرى خفية أو مختفية، كما أن هناك وسائل تقليدية وأخرى حديثة، فرضتها الحالة التي وصل إليها العالم اليوم في تقنية الاتصال والمعلومات والمواصلات، وتنوِّع الوسائل وتعدِّدها وتجدُّدها, وتطويعها للبيئة التي تعمل بها والمستهدفة من التنصير.(1) ولم تغفل الكتابات الأجنبية هذه الوسائل، بل أولتها اهتمامًا متوقعًا من أي جهد يراد لـه الخروج بنتائج تبين جدوى هذه الجهود.(2) وقد تنبه منظرو التنصير إلى الوسائل، وأجروا عليها تقويمات وتعديلات تتناسب مع الزمان والمكان. وقد أوصلها بعضهم إلى سبع مئة طريقة، أو خطة للتنصير.(3) وآخر يقترح تخطيطًا لجملة من الاستراتيجيات لتنصير العالم، يضمنها الوسائل والطرق التي يراها.(4) وكما لم يغفل المخططون للتنصير الزمان، لاسيما المستقبل،(1) لم يغفلوا كذلك المكان، فظهرت إسهامات تتعلق بالعرب خاصة. وإذا قيل العرب -هنا- قُصِدَ بهذا الإطلاق المسلمون. (2) ومع الاهتمام بالمستقبل والتخطيط له، بما في ذلك تحديث الوسائل وتجديدها، بعد مراجعتها وتقويمها،(3) لم يغفل المنصرون جهودهم السابقة التي اتكأ عليها التنصير، وإن لجأوا إلى التجديد في الأساليب والطرق والوسائل.(4) وأبرز الوسائل وأظهرها وأوضحها التنصير الصريح، وهو على نوعين: التنصير العلمي القائم على النقاش، أو على السفسطة والتشكيك على طريقة الاقتضاب(5) المعروفة في مثل قول الشاعر: ماقال ربك ويل للألى سكروا *** بل قال ربك ويل للمصلينا(6) والنوع الثاني من أنواع التنصير الصريح هو التنصير القسري,(1) ويتمثل في الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش واختطاف الأطفال,(2) والقرصنة البحرية، وإحراق المسلمين الرافضين للتنصير، والغزوات، والاحتلال [الاستعمار]، وفرض الأفكار قسرًا. ويمكن أن يتحقق القيام بالتنصير الصريح من خلال قيام مؤسسات تنصيرية ترعى الحملات، وتمكن لها، وتمدها بما تحتاجه من الموارد المالية والبشرية. وتتلقى الدعم المادي والمعنوي من الحكومات الغربية، ومن المؤسسات والأفراد عن طريق المخصصات والتبرعات والهبات والأوقاف. الجمعيات: ومن أبرز هذه المؤسسات التنصيرية قيام الجمعيات المتعددة في أوروبا وأمريكا، أو في البلاد المستهدفة. ومن أمثلتها الجمعيات الآتية مرتبة حسب تأريخ إنشائها: 1- جمعية لندن التنصيرية، وتأسست سنة 1179هـ-1765م، وهي موجهة إلى أفريقيا. 2- جمعيات بعثات التنصير الكنسية، وتأسست في لندن سنة 1212هـ-1799م، وهي موجهة إلى الهند ومنطقة الخليج العربي. 3- جمعية تبشير الكنيسة الأنجليكانية البريطانية، وتأسست سنة 1314هـ-1799م، وتدعم من الأسرة المالكة في بريطانيا. 4- جمعية طبع الإنجيل البريطانية، وتأسست سنة 1219هـ-1804م، وتهتم بالطبع والترجمة والتوزيع. 5- الجمعية المسيحية الإرسالية، وتأسست سنة 1842 مع بدء النشاط التنصيري في نيجيريا الجنوبية، ووضع لها راع من نيجيريا برتبة أسقف ويدعى “صمويل آجاي كراوتر”.(1) 6- جمعية طبع الإنجيل الأمريكية، وتأسست سنة 1231هـ-1816م، ولها مطابع ومكتبات تجارية في البـلاد العربية كمطبعة النيل ومكتبة الخرطوم.(2) 7- مجلس الكنيسة المشيخية الأمريكية، ونشأت سنة 1253هـ-1837م، وهي موجهة إلى العالم العربي. 8- جمعية الكنيسة التنصيرية، ونشأت سنة 1260هـ-1844م، وتركز على التعليم والخدمات العلاجية. ويسهم الألمان فيها بجهود. 9- جمعية الشبان النصارى، ونشأت سنة 1271هـ-1855م، ومنها ظهرت: 10- إرسالية الجامعات لوسط أفريقيا، ونشأت سنة 1273هـ-1856م. وقد قامت تلبية لنداءات المستكشفين الجغرافيين الإنجليز في الجامعات والجمعيات البريطانية. 11- جمعية الشباب القوطيين للتنصير في البلاد الأجنبية. 12- الكنيسة الإصلاحية الأمريكية، وتأسست سنة 1273هـ-1857م، وهي موجهة إلى منطقة الخليج العربي. 13- جمعية الروح القدس في زنجبار، وتأسست سنة 1280هـ-1863م، وهي كاثوليكية، وتهتم بالعلاج والتعليم الصناعي. 14- وأنشأ البابا ليو الثالث عشر سنة 1295هـ-1878م أسقُفيتين لمباشرة التنصير الكاثوليكي في شرق أفريقيا، واحدة منها في منطقة بحيرة فكتوريا والأخرى في منطقة بحيرة تنجانيقا. 15- اتحاد البعثة التنصيرية الإنجيلية، وتأسست سنة 1207هـ-1890م في الولايات المتحدة الأمريكية. 16- الإرساليات العربية الأمريكية، ونشأت سنة 1311هـ-1894م في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهتم بمنطقة الخليج العربي. 17- جمعية اتحاد الطلبة النصارى، وتأسست سنة 1313هـ- 1895م. 18- حملة التنصير العالمية، وتأسست سنة 1331هـ-1913م في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهتم بالطب والتعليم والأدب والترجمة. 19- زمالة الإيمان مع المسلمين، وأنشئت سنة 1334هـ-1915م في بريطانيا وكندا، وتهتم بالمطبوعات. 20- عمودية التعبئة، وتأسست سنة 1377هـ-1958م، وهي موزعة، وتعني بتدريب الشباب على التنصير. 21- جمعية تنصير الشباب، ونشأت سنة 1372هـ-1952م. 22- الامتداد النصراني في الشرق الأوسط، ونشأت سنة 1396هـ-1976م، وهي موزعة، وتهتم بالمطبوعات. 23- إرسالية الكنيسة الحرة الاسكتلندية. وتهتم بالصناعات اليدوية والزراعة. 24- جمعية التنصير في أرض التوراة العثمانية. 25- جمعية تنصير شمال أفريقيا. 26- لجنة التنصير الأمريكية. 27- إرسالية كنيسة أسكوتلندة الرسمية، وقامت تلبية لنداء المستكشف الإنجليزي “ليفينجستون”. 28- هذا بالإضافة إلى الجمعيات المحلية في العواصم والمدن الإسلامية، يقوم عليها عاملون محليون مدعومون من جمعيات تنصيرية غربية، أوروبية (1) وأمريكية.(1) وبين الأكراد وحدهم عشرات الجمعيات التنصيرية الصغيرة التي يقودها في الغالب نساء متفرغات للعمل التنصيري بشتى وسائله. وتشير التقارير غير المنشورة أن منطقة الأكراد تتعرّض لهجمة صليبية عنيفة، تتخذ فيها سبل شتى لا تتورع عن استخدام الرذيلة والمخدرات واللهو ونشرها بين الفتيان والفتيات الأكراد. وكذا الحال في أفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة وغيرها مما يصدق عليها قولنا المأثور “مصائب قوم عند قوم فوائد”. وهذه نماذج فقط من الجمعيات التنصيرية المتعددة والمتنوعة الاتجاهات والتخصصات. (2) وهناك موسوعة كاملة بالإنجليزية ترصد المعلومات عن معظم الجمعيات التنصيرية في العالم، وتخضع للمراجعة الدورية، فتضيف جمعيات جديدة، وتجدّد المعلومات عن جمعيات قائمة، وتقدم عرضًا للجهود المبذولة على مستوى حملات التنصير في العالم.(3) مؤهـلات المنصِّريـن: وقد وضع المؤتمر التنصيري المعقود بالقاهرة سنة 1324هـ-1906م مجموعة من التوصيات لهذه الوسائل الصريحة تعد قواعد ومعالم للحملات التنصيرية في المجتمع المسلم بخاصة. أ – ففيما يتعلق بالمنصر أو المنصرة أوجبوا عليهما الآتي: 1- تعلُّم اللهجات المحلية ومصطلحاتها. 2- مخاطبة العوام على قدر عقولهم. 3- إلقاء الخطب بصوت رخيم وفصيح المخارج. 4- الجلوس أثناء إلقاء الخطب. 5- الابتعاد عن الكلمات الأجنبية أثناء إلقاء الخطب. 6- الاعتناء باختيار الموضوعات. 7- العلم بآيات القرآن والإنجيل. 8- الاستعانة بالروح القدس والحكمة الآلهية. ب – استخدام الوسائل المحببة إلى المسلمين من العوام كالموسيقى وعرض المناظر باستخدام تقنيات التعليم، وكذلك تقنيات الاتصال. جـ- دراسة القرآن للوقوف على ما فيه. د – عدم إثارة نزاعات مع المسلمين. هـ- إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداءً لهم. و – إيجاد منصرين من بين المسلمين ومن أنفسهم. ز – زيارة المنصرات لبيوت المسلمين، والاجتماع بالنساء، وتوزيع المؤلفات والكتب التنصيرية عليهن، وإلقـاء المحاضرات الدينية في تعاليم الإنجيل.(1) التنصير المختفي: أما التنصير المختفـي فينفَّذ بوسائـل متعددة ومتجدِّدة خاضعة للمراجعة والتقويم الدوري، مطوعةٍ للبيئات التي تعمل بها، ومن أهمها الوسائل الآتية: 1 – البعثات الدبلوماسية: البعثات الدبلوماسية في البلاد الإسلامية عن طريق السفارات الغربية أو القنصليات أو الملحقيات الثقافية والتجارية والمؤسسات الأجنبية الرسمية الأخرى. وعلى أي حال يدرَّب بعض العاملين في المؤسسات الأجنبية الرسمية من سفارات وغيرها على التنصير قبل انخراطهم العملي في السلك الدبلوماسي، ويصدق هذا على العاملين النصارى. ومثال ذلك قصة القنصل البريطاني في زنجبار “جون كرك” الذي دعا سنة 1294هـ-1877م الأمين العام لجمعية الكنيسة التنصيرية “هنري رايت” إلىسرعة إرسال المنصرين، وأكد على أهمية ذلك الدينية والسياسية للوقوف في وجه ما سماه بالامتداد المصري التركي، أي الوقوف في وجه المد الإسلامي.(1) ومما يدخل في أعمال الملحقيات الثقافية الأجنبية، أي غير الإسلامية، في هذا المجال إنشاء المدارس الأجنبية للجاليات الأجنبية وطبعها بالطابع التنصيري في المناهج وأوجه النشاط غير المنهجية، كالثقافية التي يبدو من ظاهرها التعريف بالبلاد التي تمثلها الملحقية، وفي باطنها الدعوة المختفية إلى التنصير، ثم إتاحة المجال لأبناء البلاد وبناتها للانخراط في هذا المدارس على حساب التربية والتعليم المؤهلين بمنهج البلاد ومنطلقاته.(1) 2- المستكشفــون: المستكشفون الجغرافيون في البلاد الإسلامية وغيرها، حيث توفدهم الجامعات والجمعيات العلمية للنظر في قضايا جغرافية وطبيعية علمية تحتاج إلى الوقوف عليها من أمثال “ليفنجستون”،(2) و”ستانلي”(3) اللذين بعثا من الجمعية الجغرافية الملكية في بريطانيا في مهمة اكتشاف منابع النيل. وفي “يوغندا” وجد المستكشف “ستانلي” أن الملك “موتيسّا” وحاشيته قد اعتنقوا الإسلام منذ زمن بعيد – حيث سبق المسلمون إلى أفريقيا-،(1) فانزعج “ستانلي” عندما علم أن الحاكم قد اعتنق الإسلام، فسارع إلى إرسال خطاب إلىجريدة الديلي تلغراف، ونُشر الخطاب في 17/10/1292هـ- الموافق 15/11/1875م، وهو يعد نقطة تحوُّل في تاريخ الإسلام الحديث في شرق أفريقيا ووسطها. (2) وقد بدأ “ستانلي” الخطاب بذكر اعتناق الحاكم “موتيسا” الإسلام على يد تاجر سمَّاه “خميس بن عبدالله” ودعا إلى سرعة إرسال المنصرين والإرساليات، وخاصة من بريطانيا. وركز على عدم تأثير الوعظ وحده فحسب على شعب يوغندا الذكي. كما ركز على أن الرجل المطلوب هو المعلم النصراني الخبير المتمرس الذي يستطيع أن يعلم أفراد الشعب كيف يصبحون نصارى، فيعالج مرضاهم ويبني لهم المساكن، ويعلم الأهلين الزراعة، ويوجه يده إلى أي شيء “كما يفعل الملاح”. مثل هذا الرجل سيصبح منقذ أفريقيا من الإسلام. وكان من تأثير هذا الخطاب أن جمعت التبرعات، ووصلت، في ذلك الوقت، إلى ألفين وأربع مئة [2400] جنيه إسترليني بعد أقلَّ من عام على نشر الخطاب في الجريدة الديلي تلغراف. وقد وزِّع المبلغ على الجمعيات التنصيرية، ومنه أرسلت الإرساليات التنصيرية، كما كان من تأثيره قيام جمعيات تنصيرية مرَّ ذكر شيء منها، مثل الإرسالية الجامعية لوسط أفريقيا وإرسالية كنيسة أسكوتلندة الرسمية. “وتوافد المنصرون على أفريقيا عقب بعثة ليفنجستون وستانلي سنة 1295هـ-1878م، فاقتسموا مناطقها مع اختلاف جنسياتهم بين ألماني واسكوتلندي وإنجليزي ومورافي، وهؤلاء انتشرت إرسالياتهم دون انقطاع من شرق أفريقية إلى أوسطها حتى الخرطوم والحبشة وبلاد الجلا. وجاءت هذه الإرساليات بنتائج حسنة”.(1) والمستكشفون الجغرافيون يعدون نواةً أو مثالاً أو نموذجًا لاستغلال الأعمال العلمية في تحقيق أهداف غير علمية، مما يؤكد على الخلط بين الأهداف والمقاصد متى ما رأى المخلصون لانتماءاتهم أن ذلك يخدم هذه الانتماءات. وهكذا يمكن القول إن “الاهتمام الإرسالي في شرق أفريقيا -ككل- كان يإيحاء من د. ليفنجستون (رحلاته ومواقفه لمفهوم العبودية عند العرب)”.(2) 3- التطبيــب: بعثات التطبيب التي يبدو من ظاهرها الإسهام في مجالات الإغاثة الطبية والصحية، تعمل على خدمة النصرانية والتنصير من خلال إنشاء المستشفيات والمستوصفات والعيادات المتنقلة. (3) وتعمد إلى تشغيل فتيات المجتمع ممرضات ومشرفات اجتماعيات يتمشين مع سياسة هذه المؤسسات الطبية. وقد يكنَّ من بنات المجتمع المتنصرات. وأقرب مثال حي على هذا جهود المنصرة الراحلة “تيريزا”، التي تُدعى بالأم، والحائزة على جائزة نوبل، وما تقوم به في مجال التطبيب من أنشطة على مستوى القارة الهندية بالتركيز، وعلى مستوى العالم الإسلامي بعامة، فقد تحركت في الآونة الأخيرة إلى شمال العراق، حيث محنة المسلمين الأكراد لاتزال قائمة وفيها من المجال الخصب لهذه الأعمال ما لا يخطر على قلب من لم يقف على المشكلة بنفسه. وكذلك البعثات الطبية في منطقة الخليج العربية التي قدمت إليها منذ سنة 1308هـ-1891م على يد الدكتور “شارون توماس”، ثم الدكتور “آرثر بينيت” بين سنة 1328هـ-1910م وسنة 1323هـ-1915م.(1) وتُستغَل البعثات الطبية التنصيرية -كما يقال- في إجراء التجارب حول مدى صلاحية الأدوية التي ترفض هيئات الأغذية والأدوية إجراءها على المجتمع الغربي، قبل أن تثبت فعاليتها في الأرانب أو الفئران، فيؤتى بها إلى المناطق التي تتركز فيها مستشفيات ومستوصفات ومختبرات تنصيرية، فتُجرى فيها التجارب على البشر، ثم يكتب بها تقارير إلى هيئات الأغذية والأدوية الغربية لإقرار استخدامها لتركَّب وتصنَّع ثم تصرف للناس. ومع أن هذا ليس هدفًا لهذه الجمعيات التنصيرية، ولم يكن في يومٍ من الأيام يدور في خلد المنصرين الأوائل، إلا أن بعض المنصرين المعاصرين قد لا يمانعون من مساعدة هذه الهيئات في القيام بالتجارب على البشر خارج الإطار الغربي.(1) ويظهر هذا واضحًا أثناء الحروب باستغلال الأسرى لهذه التجارب. 4- التدريب المهني: بعثات التعليم الصناعي والتدريب المهني تتم من خلال إنشاء المدارس ومراكز التدريب والورش للشباب والشابات، وتستقطب إليها الطاقات. وتخضع لبرامج نظرية فيها دروس حول الثقافة والمجتمع والدين والآداب المبسَّطة التي تنفذ من خلالها التعاليم النصرانية، وذلك يدخل في مفهوم المتطلبات النظرية لاجتياز الدورات التدريبية. ومن ذلك إسناد الإشراف على المراكز والمدارس المهنية المحلية إلى إدارات أجنبية، ويقوم على التدريب فيها منصرون بلباس الفنيين والمدربين.(2) 5- التعليم العالي: ومن وسائل التنصير بعثات التعليم العالي التي تنشئ الكليات والجامعات والمعاهد العليا في المجتمع المسلم. وأقرب مثال على ذلك وجود الجامعات الأمريكية والفرنسية التي ثبت أنها تعمل بين المسلمين في مجالات التنصير، ومجالات خدمة الوجهة الغربية، كالعمل الاستخباراتي لصالح الحكومات التي تدعم هذه المؤسسات التعليمية العليا. وتخرج الجامعات مجموعات كبيرة من أبناء المسلمين، يكون لها زمام المبادرة في شغل المناصب العليا ذات التأثير الإداري والثقافي والأدبي والسياسي، بل والديني أحيانًا. وتُلمَّع هذه المجموعة المتخرِّجة من الجامعات الأجنبية، وتُعطى الهالة الإعلامية، وتساند بعضها في المناسبات العلمية والثقافية والأدبية وغيرها. وهذه ظاهرة تستحق وحدها -في نظري- الدراسة. وفي هذا المجال يقول “بيزوز”الذي تسلَّم رئاسة الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1369هـ-1948م، وكانت تُسمَّى حينئذٍ بالكلية البروتستاتية الإنجيلية: “لقد أدى البرهان إلى أن التعليم أثمن وسيلة استغلَّها المبشرون الأمريكيون في سعيهم لتنصير سورية ولبنان، ومن أجل ذلك تقرَّر أن يُختار رئيس الكلية البروتستاتية الإنجيلية من مبشري الإرسالية السورية”.(1) ولا تخفي هذه الجامعات والمعاهد العليا نزعتها التنصيرية، إلا في الأوقات التي تجد فيها من المصلحة أن تسير مع تيار يسيطر على الساحة، كما سارت مع تيار القومية الذي شاع ردحًا من الزمن.(2) وكما يتوقع لها أن تسير مع تيار الصحوة التي تسميها بالأصولية لدراستها من منظور تنصيري استشراقي، يعمد إلى تشويهها ونعت أبنائها بالتطرف والإرهاب،(1) وإلى تشويه أفكار من يدرسها أو يعمد إلى تبني هذا التوجُّه. (2) ومن إسهامات بعثات التعليم اشتراكها في وضع المناهج التربوية لبعض المراحل العليا، بل ربما أسند إليها التخطيط الشامل للتعليم العالي على المدى البعيد. ويعين على هذه الوسيلة إضعاف المؤسسات العلمية والتعليمية الدينية في البلاد العربية والإسلامية، فقد تعرَّض الأزهر جامعًا وجامعة إلى حملات متتابعة أدت إلى إضعافه والعمل على تحويله إلى مؤسسة تعليمية (مدنية)، وتتعرض المؤسسات التعليمية الدينية الأخرى في مصر وفي غير مصر لمثل هذه الحملات التي يراد للمؤسسات التعليمية الغربية أن تحلَّ محلها في مناهجها وتخطيطها وطريقتها في التربية والتعليم. وتزداد الحملة على هذه المؤسسات في ضوء التطورات والأحداث التي حصلت للمنطقة في الآونة الأخيرة. وفي الفصل الرابع من كتاب وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين يصِرُّ المنصِّر “فلمنج” على ضرورة “إنشاء مدرسة جامعة نصرانية تقوم الكنيسة بنفقاتها وتكون مشتركة بين الكنائس المسيحية في الدنيا على اختلاف مذاهبها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة”.(1) كما يقول “جاردنر” السكرتير العام لجمعية الطلبة النصارى: ” إن من سداد الرأي منع جامعة الأزهر أن تنشر الطلبة المتخرجين فيها في جنوب أفريقيا اتباعًا لقرار مؤتمر التبشير العام، لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع في كل أفريقيا”.(2) 6- الإغـاثــــة: بعثات الإغاثة، حيث يهُبُّ الجميع رجالاً ونساءً، صغارًا وكبارًا يجلبون معهم المؤن والملابس والخيام وغيرها، ويقدمونها على أنها نعمة من عيسى بن مريم -عليهما السلام- سواء أكان هذا الإيحاء واضحًا بالرموز والشعارات، أم بطريق خفي يصلون إليه بحذر خوف الابتعاد عنهم, أو التحريض عليهم من قبل المتنبهين. ويحرص المنصرون على “دراسة أقوال المسلمين وعاداتهم، ثم التردد إليهم كي يأنسوا إليهم، فلايستغرب أن يستغل هؤلاء تدهور الحالة الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين، وسقوط أغلبهم ضسحية الفقر المدقع، والخصاصة والمجاعة، والأوبئة، ليتصلوا بهم مقدمين لهم المساعدات، خاصة للنساء والأطفال”.(3) ومعلوم الآن أنَّ ميزانيات المنصرين في هذا المجال تخطَّت المئة وثمانين مليار دولار سنويًا [180.000.000.000]، ولو حصرت ميزانيات الهيئات الإغاثية الإسلامية العاملة في الساحة لما وصلت – على حدِّ علمي- إلى مليار دولار [1.000.000.000] سنويًا.(1) أما عدد الجمعيات التنصيرية العاملة في الإغاثة بالمقارنة بالجمعيات الإسلامية العاملة في المجال نفسه فإنها تفوق كثيرًا, وبأعداد غير قابلة للمقارنة. ولو ضربنا مثالاً على ذلك في أرض الأفغان اليوم التي عانت من الحروب لأكثر من خمسٍ وعشرين سنة لوجدنا أنّ عدد الجمعيات الإسلامية العاملة في الإغاثة لا يزيد عن سبع جمعيات, في مقابل مئتين وخمسين جمعية إغاثة تنصيرية من مجموع ست مئة جمعية إغاثية. وقد أفادني بهذا بعض العاملين في مجال الإغاثة الإسلامية في الأرض الأفغانية. 7- المــــــرأة: استغلال المرأة المسلمة وغير المسلمة يُعدُّ من أبرز وسائل المنصرين. وللمرأة تأثيرها على الحياة كلها. ولها من القدرات ما يمكن استغلالها في تحقيق أهداف المنصرين وغير المنصرين. فهي أم ولها أثرها على أبنائها، وهي زوجة ولها أثرها على زوجها، وهي ابنة معرضة للتأثر، وهكذا. أما فيما يتعلق بالمرأة المسلمة فهناك محاولات تنصيرية تغريبية دؤوبة لإخراجها من سمْتها وحشمتها، بحجة التحضر والانطلاق، ثم إقحامها في أنشطة اجتماعية وسياسية ليست بالضرورة بحاجة إليها. وإذا تذكرنا أن من أهداف التنصير بذر الشكوك لدى المسلمين المصرين على التمسك بالإسلام، أدركنا أن من أخصب المجالات في تحقيق هذا الهدف الحديث عن موقف الإسلام من المرأة، فيما يتعلق بحقوقها وواجباتها من موازين ومنطلقات غربية وغريبة على طبيعة الإنسان بعامة، والمـرأة فيه بخاصة.(1) ولذا نجد مجموعة من الجمعيات النسائية التي تعمل على نقل المرأة من بيئة إسلامية إلى بيئة غربية خالصة من خلال التبرج والسفور، وخوض مجالات عملية مختلطة في الفن وفي الثقافة وفي الآداب، وفي الأعمال المهنية والحرفية الأخرى، مما يدخل في محاولات التغريب التي تتعرض لها المجتمعات المسلمة.(2) وأقرب مثال على هذا جهود “قاسم أمين”,(3) و”هدى شعراوي”، ثم جهود “نوال السعداوي” المستمرة في تغريب المرأة المسلمة امتدادًا للمحاولات السابقة على يد “قاسم أمين” وغيره من دعاة التغريب، تحت اسم “تحرير المرأة”. والظاهر أن تلميذات “نوال السعداوي” في تزايد.(1) والحديث عن المرأة دائمًا فيه حساسية، ويغلب عليه الجانب الإعلامي، لاسيما الصحفي، والطرح السطحي والعاطفي، وترفع فيه الشعارات، ويُساء الفهم حول بعض الطروحات، كما قد يفهم من هذا الحديث، من أن المرأة لاتصلح للأعمال الفنية والثقافية والأدبية والأعمال المهنية والحرفية. وليس الأمر كذلك، إذ الموضوع يتركز حول استغلال هذه المجالات في الخروج عن السمت المراد من المرأة، كما هو مراد من الرجل على حدٍ سواء، وإن اختلفت الطرق. تقول المبشرات المشتركات في مؤتمر القاهرة سنة 1906م: “… لا سبيل إلا بجلب النساء المسلمات إلى المسيح. إن عدد النساء المسلمات عظيم جدًا لا يقل عن مائة مليون، فكل نشاط مجدٍ للوصول إليهن يجب أن يكون أوسع مما بُذل إلى الآن. نحن لا نقترح إيجاد منظمات جديدة، ولكن نطلب من كل هيئة تبشيرية أن تحمل فرعها النسائي على العمل واضعة نصب عينيها هدفًا جديدًا هو الوصول إلى نساء العالم المسلمات كلهن في هذا الجيل”.(2) أما فيما يتعلق بالمرأة غير المسلمة فهي بحكم ثقافتها المتسمة بالانطلاق لديها القابلية لأن تُستغلَّ في جميع المجالات. وإذا أغفلنا جانب التعميم استطعنا القول إن بعض النساء على استعداد لخوض غمار الأعمال الميدانية و[الترفيهية] مادامت تحقق بها أهدافًا تنصيرية، إما بتغريرها بأن هذا يرضي المسيح عيسى بن مـريـم ــ عليهما السلام ــ ، وإما بعلمها وإصرارها المسبق بأن هذا ما ينبغي أن يكون. ولا تمثل الأعمال الترفيهية نسبة عالية في انخراط المرأة في حملات التنصير، لأن هذا أمر مكشوف ورخيص، ولكنه مع هذا يشيع في الحروب بين الجنود والأسرى المراد تنصيرهم.(1) والذي يمثل النسبة العالية في مجالات التنصير باستغلال المرأة هو عملها بكل جهد وقوة للدخول إلى مجالات النساء المستهدفات،(2) فتجتمع بهن وتقدم لهن الخدمات الصحية والاجتماعية والتربوية والثقافية الدقيقة والخاصة بشؤون المرأة فيما يتعلق بعلاقاتها الأسْرية وحملها وتربيتها لأولادها.(3) ويلقى هذا الاتجاه القبول ويرسخ في الأذهان. ولذا ينبغي إعطاؤه الاهتمام، بدلاً من أن يذهب التصور إلى استغلال المرأة في جوانب نفعية شهوانية، قد لا تنقاد إليها جميع النساء، كما هو سائر الآن. كما ينبغي تعميق النظرة إلى أثر المرأة في هذه الحملات من خلال قدرتها على التأثير وقوتها فيه، وقدرتها أيضًا على التأثر بما حولها ومن حولها.(4) ولا تزال هذه الوسيلة من الوسائل المعتمدة في “تصيُّد” الآخرين، ليس على مستوى التنصير فحسب، بل على مستويات سياسية واستخبارية، وتمارسها اليوم الدولة الصهيونية في فلسطين المحتلة مع الشباب المحيطين في هذه الدولة. 8- العــمـَّال: استغلال العمال النصارى في المجتمعات المسلمة على مختلف مستوياتهم المهنية وتخصصاتهم من الأطباء والخبراء والممرضات والصيادلة والعمال الفنيين والحرفيين. وتتضح هذه الوسيلة جيدًا في مجتمع الخليج العربي، حيث تفد مئات الآلاف من الطاقات البشرية الماهرة وغير الماهرة وغير المدرَّبة.(1) ويفد مع هؤلاء العمال المنصرون بثياب الطبيب والممرضة والفني والعامل. ويعملون على “تثبيت” إخوانهم النصارى و”حمايتهم” من الإسلام بإقامة الشعائر لهم، سرًّا في بعض المناطق، وعلنًآ في مناطق أخرى، كما يعملون على تنصير المسلمين من الشباب والشابات ورجال الأعمال الذين يتسم بعضهم، أو جزء كبير منهم، بالأمية الثقافية وعدم القدرة على إدراك خطر هؤلاء، كما يتسم بعضهم بعدم المبالاة ما دام هؤلاء القادمون من “الخارج” يقدمون جوًَّا ترفيهيًا ينعكس إيجابًا على الإنتاج والعمل!! ويتضح هذا جليًا في المناسبات الدينية والوطنية للبلدان الممثلة بعمالها في المنطقة، حيث يدعى الشباب المسلمون إلى هذه المناسبات التي تدور فيها أنواع من الإغراءات التي تنطلي على بعض الشباب ذوي السطحية في التفكير، أو أولئك الذين لديهم القابلية للتأثر نتيجة للانبهار بمقومات حضارية مادية. وكانت هذه الوسيلة من الموضوعات التي ركَّز عليها مؤتمر المنصرين [السادس] الذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1400هـ الموافق سنة 1980م، حيث أكد أحد رؤساء الجمعيات التنصيرية على ذلك بقولـه: “إن الباب أصبح مفتوحًا لدخول النصرانية إلى البلاد المغلقة، وذلك من خلال الشركات الوطنية المتعددة، فهناك فرص لا حدود لها في هذا المجال بالنسبة للمنصرين، حيث الحاجة الملحة إلى مهماتهم لتطوير البلاد”.(1) وبالمتابعة من قبل المعنيين بالأمر يعثر على أماكن للعبادة تُهيّأ للنصارى سرًَّا في بعض أجزاء من منطقة الخليج العربية، وعلنًا في أجزاء أخرى من المنطقة، ويعمل المخلصون على تبليغ السلطات المعنية لتتخذ الإجراءات الضرورية التي تتفق مع عقود العمل التي يوقع عليها هؤلاء.(2) والمسألة هذه مستمرة، إذ تعوَّد المنصرون في هذه المناطق عدم الاستسلام للجهات المتابعة أو للعقبات التي تعترض طريقهم، بل هي تُعدُّ مؤشِّرًا على أن هناك عملاً قائمًا منهم يستحق المقاومة.(3) 9- البعثات الدراسيـة: استغلال البعثات الدراسية للطلبة المسلمين خارج البلاد الإسلامية. وقد اقتضت الرغبة في مواكبة السير الحضاري وجود مجموعات من أبناء المسلمين في أوروبا وأمريكا لتلقّي التعليم والخبرات، مبعوثين من حكوماتهم ومؤسساتهم داخل بلادهم. وتتعرض هذه الفئة من الطلبة إلى حملات قوية من المنصرين عن طريق مكاتب الطلبة الأجانب في الجامعات. حتى الجامعات المستقلة (غير المنتمية) في الغرب تقوم بهذه الأنواع من النشاط. وتضع برامج للطلبة من زيارات للعائلات وأوجه نشاط اجتماعية من حفلات ودعوات إلى الكنيسة أو ما يلحق بالكنيسة من الأفنية والملاعب، لاسيما في المناسبات الدينية والوطنية كذلك.(1) وفي خارج المدن الجامعية يتلقَّف المنصرون الطلبة المسلمين بعد التعرف على عنواناتهم، والوصول إليهم، وإبداء الرغبة في خدمتهم، والوقوف إلى جانبهم والتعاطف معهم. ويتعرض الطلبة كذلك لألوان من المحاولات مثل إرسال المطبوعات، والاتصال بالهاتف، والرسائل الهاتفية “الفاكس”، والاتصال الشخصي المباشر، بموعد ودون موعد. ويكثر هذا الأسلوب لدى جماعة ” شهود يهوه” التي تسعى إلى مواجهة انتشار الإسلام في الغرب.(1) وتُستغل المناسبات الدينية والوطنية في محاولة الوصول إليهم. وهناك قصص حصلت نُشر بعضها تبرز ألوانًآ من المحاولات، وصلت في نهايتها إلى الحوار المباشر، بعدما تمكن الطالب -نسبيًا- من اللغة، ومن القدرة على النقاش. وقد تمكن بعض الطلاب المسلمين من إقامة حوارات مفيدة، أسهمت في إيضاح المبهمات لدى أولئك المنصرين. وكان تأثير أولئك الطلبة أقوى – ولله الحمد- من تأثير المنصرين في الطلبة، على الرغم من الخوف من أن يكون العكس. ويُستغل ضعف بعض الطلبة المسلمين ماديًا، حيث تتبنى الكنيسة أو جمعية مدعومة من الكنيسة دعم هؤلاء الضعفاء من الطلبة، وتعمل على إيجاد فجوة بين الموسرين والمعسرين من الطلبة المسلمين، تصل إلى حد الضغينة والحسد وترسيخ هذه المفهومات في الأذهان، حتى لا تقوم بين المسلمين من الطلبة رابطة قوية.(2) كما يستغل ضيق بعض الطلبة المسلمين لعدم قدرتهم على العودة المباشرة إلى بلادهم، بسبب سوء الأحوال السياسية والاقتصادية، والبحث عن إقامة نظامية في البلاد الغربية التي تتم غالبًا عن طريق الزواج بمواطنة من البلد، إما أن تكون ذات ميول نصرانية قوية، أو ينشأ عندها الميول عندما تدرك أنها اقترنت برجل يختلف عنها دينًا وثقافة. وتكون نتيجة هذا الزواج إنجاب الأطفال، ثم يحصل عادة فراق، فتكون رعاية الأطفال، نظاما، لأمهم، فتأخذهم إلى الكنيسة اقتناعًا أو قصدًا إلىكيد الأب. ويستمر الصراع على هذه الحال. وهذا على افضل الأحوال. وربما يرضى الزوج بأخذ أولاده إلى الكنيسة، بل وذهابه هو معهم والانخراط في أوجه نشاطها، ولو لم يتم الإعلان الرسمي (التعميد) عن التنصُّر. وفي أحوال أخرى تسلم الزوجة وتستقيم الأمور، عدا المضايقات من الأهل والأقارب من جانب الزوجة على الغالب. وذكري لهذه الحالات قائم على معايشتها. تقول آمال قرامي في معرض حديثها عن أسباب تنصُّـر المسلم: “ولا مناص من القول إن البعثات الدراسية إلى الخارج يسرت عملية اندماج المسلم في المدنية الغربية، ومكنته من الاطلاع على ديانات مختلفة وحضارات متعددة، وأكسبته شيئًا من أساليب الحياة الغربية، ومن الاتجاه الغربي في التفكير والعلم والسلوك وما إلى ذلك. ومن ثمة صار “الارتداد” ممكنًا، خاصة إذا علمنا أن المبشرين كانوا حريصين على تتبع أحوال هؤلاء الطلبة، واستغلال حالة الوحدة والعوز التي يعاني منها أكثرهم، لفائدة تحقيق أغراض التبشير”.(1) 10- الاستشــراق: استغلال المؤسسات العلمية التي تقدم دراسات عن العالم الإسلامي والعرب والشرق الأوسط. وهذه الظاهرة نشأت على أيدي كهنة وخدم للكنيسة، وأخذت مصطلح الاستشراق الذي يتولّى الجانب العلمي في نزع سلطان الدين الإسلامي من النفوس. وطلائع المستشرقين انطلقوا من الكنائس والأديرة.(1) وإسهاماتهم موجهة إلى المفكرين والمطلعين والمثقفين.(2)وهم لايدعون صراحة إلى النصرانية، بل إنهم يتهربون من إلصاق النصرانية بهم، ولكنهم يحققون أهداف المنصرين في حملاتهم ضد الإسلام التي كانت أكثر صراحة مما هي عليه الآن،(3) وكذلك في منهجهم المتأخر القائم على التخصص، ونبذ الأحكام العامة والسريعة، التي بدأها أسلافهم، التي كانوا فيها صريحين في محاربة الإسلام ونبي الإسلام – عليه الصلاة والسلام -.(4) وليس كل المستشرقين المتأخرين على هذه الشاكلة،(5) ولكن لا تزال طائفة منهم تسير على المنهج الذي رسمه لهم أسلافهم مما يخدم المعتقد النصراني من خلال دراساتهم للإسلام والعلوم والثقافة الإسلامية وتراث المسلمين.(6) وبقدر ما يخدم المستشرقون انتماءاتهم الدينية والثقافية ينالون الدعم المعنوي والمادي. وإذا ما مال أحدهم إلى الإنصاف وجد عنتًا وتنكُّرًا من الجمعيات والمؤسسات المهتمة بدراسة الإسلام والمسلمين في المجتمع الغربي.(2) 11- اليهــــود: عمل اليهود على مؤازرة التنصير عندما تحولت النصرانية على يد “شاؤول” أو “بولس” إلى خليط من الثقافات السابقة عليها، بما فيها اليهودية المحرّفة,(3) فكان هذا التآزر بين اليهودية والنصرانية في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة يبرز بوضوح عندما تحتدم المشكلات المحلية أو الإقليمية، ويكون لإحدى النحلتين ضلع فيها، كما برز في الحرب الأهلية اللبنانية، وكما يبرز في حرب السودان ضد المتمردين النصارى في الجنوب.(4) وكما برز كذلك في الحرب على المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا الألبانية. وتعمل المؤسسات اليهودية داخل فلسطين المحتلة وخارجها على تعضيد التنصير وتحقيق بعض أهدافه التي تتفق مع المنطلقات والمصالح اليهودية الراسخة في العقيدة من أن الآخرين خدم لليهود وعالة عليهم، كما هو مصرح به في بروتوكولات حكماء صهيون، يقول عجّاج نويهض مشيرًا إلى أساليب اليهود في ترسيخ وجودهم وتأثيرهم: “حتى إذا انطلقوا بعد الثورة الفرنسية يضعون مخططًآ قائمًا على أساسين، كان هذان الأساسان هما: 1- عقيدة أنهم شعب الله المختار. 2- عقيدة أن هذا الشعب المختار يستطيع أن يفسد العالم ويعطله ويخرّبه ليقيم على أنقاضه ملكًا يهوديا داوديا، يتفرد بحكم العالم بأسره، وما الأمم والشعوب إلا حيوانات متخلفة العقل والذهن والفهم… أما عقيدتهم أنهم شعب مختار فالإشارة إليها وإلى الماسونية شيء كثير في البروتوكولات. وأما قدرتهم على أن يصلوا إلى نهاية مبتغاهم، فنحسب أن القطار قد فاتهم؛ ولكن قد يطول بالعالم الأمريكي والبريطاني الأمد وهو مخدر تخديرًا يهوديا، وأهم عوامل هذا التخدير ليس الذهب والمرأة والجاسوسية، بل التنصر ظاهريًا والبقاء على اليهودية باطنًا. وقد أكثر اليهود من استعمال هذه الخدعة بعد طردهم من البرتغال وإسبانيا وقيام مجلس التفتيش عليهم بالعذاب المعلوم. وهكذا كان إسلام اليهود الذين جاؤوا المملكة العثمانية بعد القرن الخامس عشر فأسلموا وسمُّوا بالدونمة أي المهتدين.” (1) وتسعى المؤسسات اليهودية كذلك من خلال إقحام الإرساليات إلى التأثير على العلاقات بين المسلمين والنصارى العرب في عدة محاور، ومنها رفض الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة.(2) وقد ظهر في صفوف المنصرين يهود منصرون، وعمل بعضهم في المنطقة العربية. ويذكر أن “السموءل (صاموئيل) زويمر” وعائلته كانوا يهودًا، وأن “زويمر” نفسه مات على اليهودية.(2) وهو يعد من أبرز المنصرين في المنطقة العربية، ويكثر ذكر اسمه عند أي حديث عن التنصير في المجتمع العربي. وقد آزره في هذا فريق من المنصرين الذين كانوا يعملون معه في المنطقة نفسها، وفيهم أخوه “بيتر” وزوجته “إي. لو زويمر”.(3) ويخفي اليهود انتماءاتهم اليهودية وينخرطون في أعمال دينية قد تصل أحيانًا إلى التظاهر بالإسلام قصدًا إلى الإسهام في مصادرته، والتظاهر بالنصرانية من باب أولى، نظرًا لما للنصارى من قبول في المجتمع المسلم أكثر من قبولـه لليهود. وهـذا يحقق لليهود أهدافًا أبرزها رسوخ اليهود في فلسطين المحتلة مدة أطول مما لو جابههم المسلمون بإسلامهم. 12- المنظمات الدولية: الأصل في المنظمات الدولية على اختلاف اهتماماتها وتخصصاتها أن تلزم الحياد فيما يتعلق بالأديان والثقافات، وأن تؤدي مهماتها المناطة بها، دون النظر إلى استغلال نفوذها سياسيًا واقتصاديًا لتحقيق أغراض سياسية وثقافية لأعضاء في هذه المنظمات على حساب الأعضاء الآخرين. وواقع الحال أن الأحداث تُثبت بجلاء أكثر مع الأيام أن المنظمات الدولية على اختلاف مهماتها تخدم النظرة الغربية للعالم الآخر. وأنها تسير حسب التوجيهات الغربية في التعامل مع الآخرين.(1) وقد يكون من الأسباب الظاهرة أن الدول الغربية بعامة هي التي تدعم هذه المنظمات ماليًا, وتتحمل جزءًا كبيرًا من ميزانياتها، وتتبنى مشروعاتها، ولذا فإن الدول التي تدعم أكثر تنال تأثيرًا أكبر. وقد تناقلت الأخبار وجود أسلحة داخل أكياس القمح المرسلة من منظمة إغاثية دولية إلىجنوب السودان، حيث المتمردون بقيادة “جون جرنج” ورفاقه، ومن انشقَّ عنه أخيرًا. وكذا الحال في المجتمعات المسلمة الأخرى. وإذا لم تكن الصورة بهذا الوضوح فإن التوجُّه لهذه المنظمات يُرسِّخ الفكرة الغربية في كل أوجه النشاط. ومن ذلك أوجه نشاط المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، ومنظمة الصحة العالمية، وجمعية رعاية الطفولة (SOS)، وغيرها من المنظمات التي تسعى إلى ترسيخ الفكرة الغربية على جميع أوجه النشاط، أو لنَقُلْ تنظر إلى جميع المجتمعات بنظرة غربية لا تتفق بالضرورة مع هذه المجتمعات التي تخدمها المنظمات الدولية. ولعل هذا يدخل في باب “لكل شيء ثمن”. ولا يغيب عن البال ممارسات المنظمات الدولية السياسية وغيرها تجاه المسلمين في البوسنة والهرسك، والتردد الواضح في اتخاذ قرارات حاسمة لنصرة المظلوم، على غرار ما حدث في منطقة الخليج العربية في الآونة الأخيرة، عندما غزت العراق جارتها الكويت في 11/1/1411هـ الموافق 2/8/1990م، وعلى غرار ما يحدث في مواقع أخرى من العالم الإسلامي الذي يتعرض لويلات الحروب, ويقول في هذا “جورج ليونارد كاري” رئيس الكنيسة الإنجيلية في بريطانيا، في محاضرة ألقاها في جامعة الأزهر في “تشرين الأول 1995م”: “وهنا أشعر أنه عليَّ أن أشير صراحة إلى الصراع في يوغسلافيا السابقة، فقد شاهدنا بهلع شديد المد المقيت للصراع العرقي في البوسنة والهرسك، والتطهير العرقي الشائن، وجرائم العنف التي اقترفت بحق النساء والأطفال، وتدمير المساجد وأماكن العبادة، وإنني أتفهم مخاوف المسلمين من أن يكون الغرض من ذلك هو محو الإسلام من أوروبا التي استقر فيها”.(1) 13- الترجمــــة: وتعد الترجمة من الوسائل المهمة لتحقيق أهداف التنصير والمنصرين، إذ انطلقت ترجمة معاني القرآن الكريم في القرن السادس الهجري، منتصف القرن الثاني عشر الميلادي (1143م) لأغراض تنصيرية، ورعتها الكنيسة والأديرة على يد الراهب الكلوني” آبت” رئيس الأديرة الذي بدأ الفكرة سنة 1141م، حيث رحل من فرنسا إلى إسبانيا، وكلف “كتنفريز” في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية.(1) إلا أنَّ الترجمة ظلّت حبيسة الدير بجنوب فرنسا حتى سنة 1543م.(2) ثم انطلقت الترجمات للتراث العربي الإسلامي لخدمة هذه الأغراض التنصيرية، حتى مر الزمان. وتلاشى الدافع التنصيري تدريجيًا من المنطلقات الاستشراقية، على ما مر ذكره في الفقرة العاشرة من هذا الفصل.(3) وفي المقابل تكشفت ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية “من خلال الإرساليات في القرن الثامن عشر، ولا تزال الترجمة الحالية من نتاج جهود علماء ومترجمي بلاد الشام”.(4) وتبع ذلك ترجمة التراث الكنسي إلى اللغة العربية.(5) وتؤكد “آمال قرامي” في معرض استعراضها لأسباب تنصُّر المسلم على جانب ترجمة الإنجيل، حيث تقول: ” لقد حرضت الإرساليات التبشيرية على ترجمة ” الأناجيل” إلى عدة لغات، حتى لا ينفر المسلم من قراءتها. ففي المغرب استطاعت “جماعة الأناجيل البريطانية” أن توزع نسخًا كثيرة من الأناجيل المترجمة إلى اللغة العربية والبربرية، وعرف التبشير البروتستاني بفضل هذه الجماعة دفعًا في المنطقة بين سنتي 1883هـ-1889م”.(1) 14- التبـادل الثقافي: التبادل الثقافي يعدُّ إحدى الوسائل المهمة والمختفية للتنصير. وتقوم معاهدات واتفاقيات ثقافية بين بلاد المسلمين والبلاد الأجنبية، يكون نصيب المسلمين منها غالبًا عرض ” الفلوكلور الشعبي” من رقص وغناء ولباس الذكور والإناث، وأكلات شعبية وصناعات يدوية ونحوها، وقد يسمح بتوزيع كتيبات ونشرات وشرائح وأفلام عن البلاد العارضة ونهضتها المادية. ويكون نصيب البلاد الأجنبية إقامة المراكز الثقافية الدائمة، واستقطاب رجال الفكر والثقافة من أبناء البلاد نفسها، وجلب المحاضرين من مفكرين وأساتذة جامعات ورجال سياسة وقانون، وكل ذلك قائم على استراتيجية واضحة وخطط محددة قابلة للتنفيذ على المدى البعيد، مما يدخل في مفهوم” نظرية المؤامرة” التي نحاول تجاهلها نظريًا، ولا نملك عمليًا إلا الإقرار بها. وتعمل هذه المراكز على إيجاد قوائم للمراسلة، وتتابع ذوي التأثير على المجتمع وتزودهم بالمطبوعات والنشرات والأشرطة المسموعة والمرئية المسموعة، وتدعوهم للمناسبات الاجتماعية والوطنية، وبعضهم للدينية النصرانية التي تمر على بلادهم. وكل هذه وسائل تتغير وتتبدل وتطوَّع بحسب ما يقتضيه المقام، ويتناسب مع الأشخاص المستهدفين. ولعل معظم أوجه النشاط الفني والرياضي تدخل في المفهوم العام للتبادل الثقافي، وهناك خطوات عملية فنية ورياضية واضحة فيها رائحة التنصير. وتستغل هذه المعاهدات الثقافية للوصول إلى أوساط الشباب من خلال أوجه النشاط الرياضية الدولية والإقليمية والمحلية، توزع فيها النشرات والأشرطة والكتاب “المقدس”. وتحشد الميزانيات الهائلة لهذه الوسيلة. ويظهر هذا بجلاء في المباريات الدولية، حيث يحضرها مئات الآلاف ويشاهدها مئات الملايين. حتى لو لم يصل الأمر إلى هذا التصور الواضح، فإن استغلال هذه المباريات بالتنصير لا يمكن تجاهله، وظهر هذا واضحًا في كأس العالم لعام 1423هـ/2002م في اليابان وكوريا، حيث ظهر ذلك جليًا على الفنائل التي لبسها اللاعبون تحت فنيلة الرياضة. وأبرزوها لآلات التصوير “الكاميرات”، وركزت عليها بعض هذه الآلات بصورة جلية، ليس فيها بالضرورة خبث، ولكن فيها تعاطف مع هؤلاء الذين ربطوا الفوز في المنافسات الرياضية بعيسى بن مريم – عليهما السلام-. هذا عدا عن الوسائل الأخرى التي اتضحت لمن تابعوا هذا النشاط الدوري، ولمن حضروه في كل من اليابان وكوريا، وسيظهر كذلك مع مايأتي من مسابقات رياضية مختلفة. 15- التجـارة والاقتصـاد: للتجار ورجال الأعمال جهود واضحة في نقل الأفكار. ونحن نعلم أن الإسلام قد انتشر في آسيا وأفريقيا عن طريق التجارة بالدرجة الأولى. والتجار ورجال الأعمال الغربيون يحملون معهم أفكارهم إلى بلاد المسلمين، ويعملون على خدمة الكنيسة في مجالهم، دون وضوح بارز. وهذا ما فعله الفرنسيون في لبنان وسورية، والمغرب العربي، وجنوب الصحراء الكبرى، في البلاد التي احتلوها. يقول “أنيس صايغ” في كتابه لبنان الطائفي: “كانت فرنسا تعتبر نفسها حامية المسيحيين في الشرق، وخاصة الموارنة في لبنان، ودعمت فرنسا هذه السياسة المستترة بثوب ديني يتعهد العلاقات التجارية والإرساليات التبشيرية بين لبنان وفرنسا. فقد ضاعفت فرنسا عنايتها بأمور التجارة، وأرسلت القناصل وأسست المكاتب والمراكز الثابتة لتسهيل أمورها”.(1) ولا تزال هذه الوسيلة سارية المفعول، لاسيما مع إصرار معظم الدول الإسلامية على الانخراط في ركب الحضارة المادية الحديثة، في الوقت الذي لاتزال تعاني فيه من نقص في الخبرات البشرية المحلية والإمكانات المادية، فتضطر إلى الاقتراض وجلب الشركات الأجنبية بعمالها وإدارتها الأجنبية. وربما استخدمت الشركات بعض العاملين المحليين، وأملت عليهم أنماطها الإدارية، ودخلت من خلالها إلى ما تريد. وليس جديدًا على الساحة التجارية أن يأتي بعض الذين يخدمون أغراضًا دينية أو سياسية بثياب التاجر. وهذه الوسيلة تثبت مع الوقت جدواها، وكذلك بعدها عن الاكتشاف، إذ يشيع بين الناس أن العلاقات في هذا المجال مع الآخرين تجارية لا تتعدَّى التبادل التجاري والمصالح التجارية. وأظن في هذا التفكير شيئًا غير يسير من السذاجة والسطحية. فالآخرون يخدمون مصالح بلادهم الاستعمارية والدينية كما يخدمونها اقتصاديا، ويقدمون هذه الخدمات من باب الولاء للبلاد وساستها وقادتها الروحيين. ولعل أقرب مثال ما قام به رجل الأعمال اليهودي من الولايات المتحدة الأمريكية “آرموند هامر” في الاتحاد السوفييتي سابقًا، والجمهوريات الروسية الحالية، من عمل على توجيهها الوجهة الغربية في الجانب السياسي والثقافي والديني كذلك، رغم يهوديته. وقد نجح في جهوده، ورأى نتائجها قبل رحيله. 16- الإعــــــلام والاتصالات: وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وتليفزيون وسينما ومسرح، بالإضافة إلى وسائل الاتصال ونقل المعلومات، كلها تسهم في حملات التنصير، وهي من الوسائل المختفية. أما الوسائل الإعلامية الصريحة فهذه موجودة وكثيرة وتوجه إلى عدة لغات، وتغطي عددًا كبيرًا من ساعات البث.(1) وقد بدأت الإذاعات تدخل في الشبكة الدولية “الإنترنت”، ولا يستبعد، بأي حال، أن تستغل في التنصير، لأنها وسيلة فاعلة وقابلة للانتشار السريع، والوصول إلى آماد بعيدة. يقول أحمد عبد الرحيم السايح: ” إنّ المجتمعات الإسلامية تعاني من التسلط البشري في الصحافة وسائر وسائل الإعلام ووكالات الأنباء, وتعاني في البيت وفي الشارع وفي أمور كثيرة, قد يتعرفها البعض ويسكت, وما أكثر الساكتين؛ لأنهم لا يملكون أن يقولوا شيئًا”.(2) أما الوسائل الإعلامية غير الصريحة فتأتي ضمن المسلسلات والأفلام والبرامج الوثائقية والتعليمية، التي تطبع دائمًا بنمط العيش الغربي بما فيه من ثقافة وممارسات دينية لا تخلو منها المصطلحات والأمثال والسلوكيات. حتى أفلام الصور المتحركة (الكرتون) الموجهة للأطفال تصبغ بهذه الصبغة، التي تشعر المتابع أحيانًا أنها مقصودة متعمدة. وتعمد إلى تأليف المشاهدين والمستمعين والقرَّاء على الثقافة الغربية، التي لم تستطع التخلص من التأثير الديني عليها في معظم سلوكياتها ومُثلها ومبادئها. بل ربما لا تريد التخلص من هذا التأثير الديني، وتسعى إلى تعميقه وترسيخه مادام سيحقق تبعية ثقافية تقود إلى تبعيات أخرى. ويقول “فريد د. أُكوورد” في بحث له عن “الإرسال الإذاعي الحالي الموجَّه للمسلمين”: “إن اللغة الإنجليزية مهمة لكل عربي يرغب في متابعة تعليمه أو يودُّ الهجرة، ولقد كتبنا إلى هيئة الإذاعة البريطانية التي لديها سلسلة ممتازة من برامج تعليم اللغة الإنجليزية للناطقين بالعربية. ولقد منحتنا السلسلة وأذنت لنا بتقديمها عبر إذاعتنا، وقد أجرينا بالفعل تعديلات على السلسلة استخدمناها “كطُعْم”،
  6. وسائل التنصير المساندة

    تمهيـــد:
    ومع الوسائل المباشرة التي اتخذها المنصرون في سبيل الوصول إلى المجتمعات الإسلامية، وغير الإسلامية، نجد أن هناك ظروفًا تهيأت للمنصرين، وهيأت الطريق للتوغل في المجتمعات الأخرى، وقد ساندتهم في تحقيق أهدافهم التنصيرية. ومن هذه الأساليب ماهو قديم طارئ ومنتهٍ، ومنها ماهو قديم يتجدد، ومنها كذلك ماهو جديد لم يكن لـه وجود من قبل. ومن أبرز الوسائل المساندة للتنصير والمنصرين الآتي:

    1- الاحتـــلال:
    الوسيلة المساندة الأولى والأقوى -فيما يبدو لي- هي الاحتلال (الاستعمار). وقد دعا المنصرون المستعمرين إلى احتلال البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وعندما احتُلت البلاد ذلل المحتلون العقبات أمام المنصرين، واستطاعوا أن يقيموا مؤسساتهم في بلاد المسلمين بكل سهولة. وقد قيل: إنَّ كون التنصير والاحتلال وجهان لعملة واحدة يعدُّ حقيقة أثبت التاريخ صدقها. وحين يحطُّ الاحتلال في أرض قوم يبادر إلى إقامة الكنائس فيها.(1)
    والتآزر بين المحتلين والمنصرين جانب فرضته الكنيسة، وجعلته مجالاً للانتقام لأولئك الذين أُخرجوا من فلول الحملات الصليبية، ولذا قيلت العبارة المشهورة في القدس، في العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري، الثاني من القرن العشرين: “اليوم انتهت الحروب الصليبية”.(1) وقريب من هذا ما قاله الجنرال “غورو” عندما دخل دمشق الشام، ووقف على قبر “صلاح الدين الأيوبي”، وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.(2)
    وقد وقف المنصرون ورجال السياسة (المستعمرون) وجهًا لوجه حول أي الفريقين يجب أن يتقدم الآخر. والمعروف في التاريخ أن المنصرين هم الذين يدخلون البلاد أولاً، ثم يتلوهم المستعمرون. إلا أن المنصرين رغبوا في تَقَدُّم الجيوش عليهم مع بداية القرن الثالث عشر الهجري- التاسع عشر الميلادي، وذلك بعد أن أدرك الحكام المحليون أن دخول المنصرين يعني احتلال البلاد، فيجد المنصرون من ذلك عنتًا ومشقة. وكان المنصر “واطسون” قد اقترح أن تتعاون الحكومات الغربية في سبيل منع انتشار الإسلام بين القبائل الوثنية في أفريقيا، حتى تكون مهمة التنصير أهون عندما يزول المنافس (الإسلام)، ولايزال المنصرون يخشون هذه المنافسة خشية شديدة.(3)
    ويرى المنصرون “أن السيادة الغربية في قطر إسلامي ما معناها تسهيل انتقال المسلمين إلى النصرانية، أما فقـدان هذه السيادة فينتج عــنه حـــركة عكـسية تمامًا”.(1)
    ويصرح بذلك، أيضـًا، الأب “دوفوكـو” في مذكراتـه التي كتبها في 16/9/1334هـ-16/7/1916م، إذ يقول: “اعتقد أنه إذا لم يتم تنصير المسلمين في مستعمراتنا بشمال أفريقيا، فإن حركة وطنية ستقوم بها على غرار ما حدث في تركيا، وإن نخبة من المثقفين ستتكون في المدن الكبرى متأثرة بالفكر الفرنسي دون أن يكون لها إحساس الفرنسيين ولا طيبوبتهم، وإن هذه النخبة ستحتفظ بمظاهر الإسلام، رغم ضياع روحه، لتؤثِّر بها على الجماهير، ومن جهة أخرى فإن جمهور الشعب من البدو الرحل سيبقى جاهلاً عديم الصلة بنا متمسكًا بإسلامه حاقدًا على الفرنسيين، محتقرًا لهم بدافع من وازعه الديني وأشياخه ومعاملة الفرنسيين من رجال السلطة…”.(2) وقد عاش هذا الأب بين الطوارق المقاومين لكل تسرب أجنبي.
    وكأن الاحتلال بهذه الجهود المبذولة للمنصرين يرد لهم الجميل عندما دعوا لـه ومهدوا لـه. وفي هذا يقول المنصر الأمريكي “جاك مندلسون”: “لقد تمت محاولات نشيطة لاستعمال المبشرين، لا لمصلحة الكنيسة وإنما لخدمة الاستعمار والعبوديـــة”.(1) وكما يقول “نابليــون الأول”(2) في جلسة مجلس الدولة في تاريخ 12/2/1219هـ-22/5/1804م:
    “إن في نيتي إنشاء مؤسسة الإرساليات الأجنبية، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عونًا كبيرًا لي في آسيا وأفريقيا وأمريكا. سأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نوايا اقتصادية أو سياسية”.(3)

    2- السياســة:
    الحكومات الغربية وسيلة مساندة للتنصير. والمعلوم، نظريًا، عن الحكومات الغربية أنها حكومات “عَِلمانية”، وهذا يقتضي عدم اهتمامها بالدين إلا بالقدر الذي يكفل الحرية الدينية والممارسات الشخصية للشعائر الدينية. وعَِلمانية الدولة لا تعني عدم تديُّن القائمين عليها. ولكن الوجهة النظرية تقول بعدم إقحام الدين في شؤون الدولة، بحيث يكون له أثر في قراراتها الداخلية والخارجية. ومهما أحسنا الظن في عَِلمانية الدول الغربية بخاصة، إلا أننا لا يمكن بحال أن نغفل جهودها في مؤازرة المنصرين من خلال الهبات والتسهيلات، وتبني المشروعات، ودخول المنصرين في عمليات إخبارية تخدم هذه الدول، ودخول رجال المخابرات بين المنصرين.(1)

    3- المواطنـــون الغربيون:
    والمواطنون الغربيون يساندون المنصرين مساندة قوية. فالميزانيات المرتفعة للمنصرين ومؤسساتهم إنما تأتي من المواطنين الغربيين أفرادًا كانوا أو ممثلين لمؤسسات تجارية واقتصادية. وحملات التبرعات تتكرر في وسائل الإعلام وفي الشوارع، وفي البريد يوميًا. وتزداد بكثرة أيام الآحاد، حيث يتردد بعض الناس هناك على الكنائس ويكون الجانب الروحي على قدر من الاستيقاظ بعد المواعظ الملهبة للحماس. ومن لا يذهب إلى الكنيسة هذا اليوم يتعرض لهذه المواعظ من خلال شاشات التليفزيون أو الإذاعات المحلية التي ترتبط بالكنيسة بأجر.(2)

    4 – الفقر:
    تعد ظروف الفقر والفاقة التي خلفتها مجموعة من العوامل البشرية والكوارث “الطبيعية” الحالَّة بالمسلمين بقضاء الله وقدره، ثم بالظروف المحيطة بهذا المجتمع من عدة أبعاد، إحدى الوسائل المساندة لحملات التنصير. وهي وسيلة مساندة قوية. فهؤلاء المنصرون لديهم من الإمكانات المادية ما يجعلهم قادرين على الوصول إلى المناطق المنكوبة، مهما كانت وعرة أو نائية مادام فيها فقراء معوزون يأكل الجفاف من جلودهم. وهم على هذه الحال مستعدون لقبول أي إغاثة تصل إليهم دون النظر إلى مصدرها والأهداف من ورائها، ولا مجال هنا للتفكير في الانتماءات العقدية والفكرية، لأن التفكير في هذه الحال يتوقف، وعندما يعاود الذهن القدرة على التمييز يرفع علامة استفهام عريضة؛ أين المسلمون منا؟.

    5- الأمــــراض:
    وكذا تفشي الأمـراض والأوبئة يعد مرتعًا خصبًا للتنصير والمنصرين، ولأي دعوة أو توجه. وتبرز هنا وسائل التنصير المتعلقة بالتطبيب والتمريض. ويمكن أن يتصور امرؤ منظر أم تحمل رضيعًا شاحب الوجه بارز الأوداج متضخم البطن ليستقر في ذهن هذا المرء استعداد هذه الأم لمنح ابنها لأي شخص سيعمل على شفائه بأي اسم من الأسماء يستخدم هذه الوسيلة. والمنصرون يعرفون استغلال الموقف هذا فيعزون محاولات شفاء الطفل إلى عيسى بن مريم -عليهما السلام-. فإذا أراد الله لهذا المريض أن يشفى قيل لأهله إن هذا كان بفضل عيسى، فيكون لعيسى ما يريده لـه هؤلاء المنصرون، وما لا يريده هو -عليه السلام- لنفسه، والصور من هذه المأساة تتكرر يوميًا، وتُرى على شاشات الفضائيات في مناظر مؤلمة محزنة. لاسيما أنها من صنع البشر أنفسهم.

    6- ضعف الوعي:
    وضعف الوعي بالدين وبالحياة والجهل “المطبق” بين الناس، واختلاط الحق بالباطل عند كثير منهم، واختلاط الصدق بالخرافة، وانتشار البدع، كل هذه عوامل كفيلة باستقبال المنصرين وما يحملون من أفكار. والمخرج هنا أن منطلق هؤلاء المنصرين ديني. فهم لا يدعون إلى نبذ الدين، ولا يدعون إلى ترك الصلاة والصيام أو قيام أي علاقة بين العبد والرب بأي طريقة، ولكنهم يرسخون هذه المفهومات بطريقتهم هم، وليس بالطريقة الفطرية التي يولد عليها الجميع وينشأ عليها البعض. وقد ذكر “زويمر” أن ” تمادي الاعتقاد بالتمائم وتأثيرها يؤخر أحوال الشعوب الإسلامية ويزيدها شقاءً”.(1)
    ووجود الوعي الديني والأخذ بأسباب الحضارة والمدنية يعد عائقًا أمام حملات حملات التنصير. ويؤيد هذا ما ذكره “زويمر” نفسه، حيث يقول: “إن الخطة الفاسدة الخطرة التي تفضـي ببث مبـادئ المدنية مباشرة ثم نشر المسيحية ثانيًا عقيمة لا فائدة ترجى منها، لأن إدخال الحضارة والمدنية قبل إدخال المسيحية لا تحمد مغبته، بل تنجم عنه مساوئ كثيرة تفوق المساوئ التي كانت قبلا”.(2)
    ويؤيد هذا أيضًا قول أحدهم في مؤتمر “كلورادو” 1398هـ-1978م: “إن غالبية المسلمين الذين يحتمل أن يتنصروا هم من الذين يعتنقون ما يطلق عليه الإسلام الشعبي (أو إسلام العامة)، وهم أرواحيون، يؤمنون بالأرواح الشريرة والجن ويعرفون القليل جدًا عن الإسلام الأصيل، كما يؤمن هؤلاء بدرجة كبيرة بالتعاويذ التي يعتقدون أنها تمدهم بالقوة لمواجهة شرور الحياة وتحدياتها”.(1) أما الجن فيؤمن به المسلمون، وأما الأرواح الشريرة والتعاويذ فلا ينبغي أن يكون لها مكان في قلوب المسلمين، ولا في حياتهم اليومية، لأن عقيدة التوحيد التي نؤمن بها ونتبناها لا تدع مجالاً للخرافة أن تنخر في حياتنا، فتهدمها. وما تَفَشِّي هذه التعاويذ، واستشراء الخرافة في بعض المجتمعات المسلمة إلا نتيجة حتمية للبعد عن العقيدة الصافية التي يُقلِّل من شأنها وشأن دعاتها، وتوجه لهم الاتهامات بالتخلف والانحراف والرجعية والأصولية.

    7- الاستعداد الذاتي:
    ولدى المنصرين، في مجملهم، الاستعداد الذاتي للانخراط في حملات التنصير لدوافع مختلفة، أبرزها المغامرة والرحلات والدخول في مجتمعات مختلفة عن المجتمع الغربي، ثم تأتي الدوافع الدينية المقصودة أولاً من وراء الحملات. وليست الدوافع الدينية مع وجودها هي المؤشر الأول للاستعداد الذاتي لجميع المنصرين، لأن أعدادًا منهم -ولو كانت محدودة- تتخلى عن الهدف التنصيري، وربما تحولت عن النصرانية إلى الإسلام أو إلىغيره، واتجهت إلى مجال الدعوة إلى هذا التوجه الجديد، لاسيما الإسلام، بين النصارى وربما المسلمين، وقد وجدت حالات كهذه. وهي قليلة ومحدودة، ولكنها على أي حال تبرز شيئًا من شعور هؤلاء المنصرين تجاه دعوتهم إلى النصرانية. وقد قابلت حالات من هذا القبيل في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفي المملكة العربية السعودية كانوا قد هُيئوا ليصبحوا منصرين، ومارسوا التنصير في بلادهم، وفي بعض المناطق الإسلامية، ولكنهم اهتدوا وأصبحوا دعاة إلى الإسلام يُكَفِّرون عن نشاطهم الذي كانوا يقومون به قبل الهداية، وهي ظاهرة تتزايد مع الوقت والوعي –ولله الحمد-.

    8 – الضمانات المالية:
    وفي الوقت ذاته يتلقى المنصرون ضمانات مالية واجتماعية من المنظمات والمؤسسات التنصيرية لا تقتصر عليهم فحسب، وإنما تشمل أهلهم وأولادهم، من حيث تأمين السكن والإعاشة والتربية والتعليم، والحصول علي المنح العلمية للدراسة في جامعات عالية المستوى.
    وأقرب مثال على هذا الدعم المادي الضخم أنه اتصل بي، أيام وجودي في أمريكا للدراسة، أحد مندوبي منظمة من المنظمات تدعو نفسها “جمعية الفورسترز Foresters وطلب مقابلتي. وبعد تمنع مني وإصرار وإلحاح منه سمحت له بالمقابلة. وضربت له موعدًا زارني فيه في بيتي، وعرض عليَّ برامج المنظمة وأوجه نشاطها، وسألني إن كنت أرغب في الانضمام للمنظمة، إلا أنه قبل أن يسمع إجابتي على العرض طلب مني أن يعرض عليَّ أربعة أسئلة، تحدد الإجابة عليها مدى رغبتي في الانضمام، ولو بعد حين. وكان السؤال الأول هو مدى قبولي رعاية الجمعية لابني، المولود حديثًا، من الروضة حتى يتخرج من الكلية. والسؤال الثاني كان عن مدى قبولي لتأمين مسكن لي على أحد الشواطئ في ولاية فلوريدا أو في ولاية كاليفورنيا، عندما أصل إلى سن التقاعد، وحيث كانت إجابتي على السؤالين بالنفي رفض المندوب طرح السؤالين الباقيين، إذ لم تكن هناك فائدة من عرضهما، بعدما تبين لـه عدم رغبتي في قبول مثل هذه الإغراءات. وقد كررت ذكر هذا الموقف في مناسبات متعددة لأنه يبرز تجربة ذاتية في التعامل مع هذه المنظمات، مع أنى كنت أتمنى أني لم أجب على كل سؤال على حدة، وانتظرت حتى ينهي المندوب أسئلته الأربعة، ولكن فات عليَّ ذلك، وفات عليَّ السؤالان الأخيران إلى الآن.

    9- الحقد الكمين:
    وكما أن بعض المنصرين يدفعه الإيمان بما يقوم به من تنصير، نجد أن بعضًا آخر يدفعه الحقد الكمين الموروث ضد المسلمين بخاصة، وضد الأجناس الأخرى بعامة. ويصحب هذا الحقد لدى هذه الفئة الرغبة في توكيد سيطرة الرجل الأبيض التي إن لم تصل عن طريق الاحتلال المباشر (الاستعمار) والتبعية السياسية فإنها ستصل عن طريق التنصير، حيث إشباع الجانب الروحي أولاً، ثم تتحقق الجوانب الأخرى بعدئذ. وهذا الجانب قد يؤكد لنا عدم حصر الحملات التنصيرية، من خلال العاملين بها، على الدافع الديني المحض فحسب. بل إن هناك دوافعَ قد تكون أحيانًا ذاتية تقود بعضًا من هؤلاء إلى الانخراط في الحملات التنصيرية.

    10- التسيُّب في التعاليم:
    والنصرانية تعرَّضت للتحريف منذ القدم، أي منذ تدخُّل اليهود ممثلين في “شاؤول” أو “بولس” في تصريف أمور النصرانية. وهذه التحريفات المستمرة أكسبت النصرانية تسيُّبًا في التعاليم قد يسميه البعض بالمرونة، فكان الاستعداد للتنازل عن بعض التعاليم الدينية قائمًا، حتى التعاليم التي كانت صارمة والتي تتعلق بالطلاق والتعدد والسماحة وغيرها تُنوزل عنها. فكان التنازل عن المبادئ والمثل مساندًا للمنصرين في شق طريقهم في المجتمعات وبين القبائل، التي تخضع لأوامر شيخ القبيلة، الذي يخضع بدوره لضغط مستمر من المنصرين بقبول النصرانية، مع البقـاء على ما هو عليه من عـادات وتقاليد محلية لا تتفق بالضرورة مع أوليات الرسالات السماوية. وإن لم يقبل بالنصرانية فليتخلَّ عن الإسلام – إن كان مسلمًا أو قريبًا من الإسلام- ولا مانع لدى المنصرين في سبيل الوصول إلى هذه الغاية من التضحية بتعاليم المسيح عيسى بن مريم -عليهما السلام – الموروثة التي يدعون إليها في مجتمعاتهم نظريًا على أحسن الأحوال. ولايبدو هذا التوجه سائدًا لدى المخلصين لدينهم من النصارى.

    11- تجهيز المنصرين:
    ومؤسسات التنصير من جمعيات ومنظمات تعمد إلى تجهيز المنصرين تجهيزًا تامًا مستغلة فيهم استعدادهم الذاتي للرحلة والمغامرة. فتعمل هذه المؤسسـات على تعليمهـم اللغات والطباع والعادات والأديان السائدة وجوانب الضعف فيها، وإن لم يكن فيها جوانب ضعف أوجدوا فيها هذه الجوانب، كما هو الحال في موقفهم من الإسلام، مستعينين لهذا العمل بافتراءات المستشرقين القديمة والحديثة. فينطلق المستشرقون والمنصرون وهم على دراية بالمجتمعات المقدمين عليها. كما أنهم على استعداد لمواجهة الصعاب والعقبات فيما يتعلق بالتعامل أو العيش أو العادات الغذائية أو السكن، يشاطرون الناس طعامهم ومعاشهم ومسكنهم ولباسهم أحيانًا، وإن لم يكونوا على قناعة تامة بما يعملون، وبخاصة في مجالات العادات الغذائية والتقاليد الأخرى. وفي مجتمعاتنا العربية أكلوا لحم الجزور وشربوا حليب “الخلفات” ولبنها، بل جلسوا تحت النياق يحلبونها، وأكلوا الأقط والكمأ، بل ربما جرّبوا أكل الجراد والحيوانات البرية التي لم يعهدوها في حياتهم ومجتمعاتهم الغربية، وهم أولئك الذين يعتقدون أن الجمل حيوان متوحش خشن. وعلى مثل هذا يقاس الوضع في المجتمعات الأخرى في آسيا وأفريقيا يشجعهم على ذلك الاستعداد النفسي وحب المغامرة، والدخول في تجارب حياتية جديدة.

    12- تساهل المسلمين:
    وتساهُل بعض المسلمين والحكَّام المحليين ورؤساء القبائل وشيوخها، لاسيما في شرق أفريقيا، واستقطابهم للمنصرين والترحيب بهم وتقريبهم وإعطاؤهم التسهيلات لإقامة مؤسساتهم التنصيرية، يعد إحدى الوسائل المساندة للتنصير. فقد فتح بعض المسلمين الأبواب على مصاريعها للمنصرين، وعدهم المنقذين من التخلف والرجعية والجهل والانطوائية.(1) وتذكر الأميرة “سالمة بنت السيد سعيد البوسعيدي”(1) في كتابها مذكرات أميرة عربية أن التسامح مع المنصرين قد وصـل إلى إقامـة الكنائس في مجتمع مسلم خالص (100%)، كما هي الحال في زنجبار،(2) كما وصل إلى السماح للمنصرين بالعمل بهذه المجتمعات والوقوف في وجه من يتصدى لهم أو يحذر منهم أو يضيق عليهم. ورغم أن هذه الأميرة العربية قد تنصرت –كما يقال- ورحلت إلى مجتمع نصراني، إلا أن مذكراتها تقطر بالأسى لما وصلت هي إليه، ولما وصل إليه أهلها وبعض أبناء عشيرتها في زنجبار.(3)
    وليس الحال هنا مقصورًا على هذه المذكرات أو هذه الأميرة، بل إن أمراء عربًا آخرين كانت لهم مواقف يسَّروا فيها للمنصرين السبيل إلى تحقيق شيء من تطلعاتهم، في الوقت الذي كانوا يتوقعون قدرًا من المقاومة، لاسيما إذا جاء هؤلاء المنصرون بثياب الأطباء والممرضين والممرضات، مما يدخل في التنصير المختفي الذي مر ذكره في الفصل الأول من هذه المناقشات، وإلا لا يتصوّر أن يسمح الأمراء والحكام العرب بالدخول التنصيري الصريح في مجتمعات كلها مسلمون، إذ إنهم يحسبون لشعوبهم حسابًا، وإنما قاموا عليهم ليخدموهم.(1)
    ويدخل في هذا إيجاد حكَّام نصارى على أغلبية مسلمة، بحيث تكون هذه الأغلبية أقلية، ويمكِّن هؤلاء الحكام للإرساليات التنصيرية الحرية في التنقل بين المدن والقرى والأرياف، ويقدمون لها الحماية اللازمة على حساب سكان البلاد المسلمين. وفي هذا يذكر المنصر “كينيث لاتورث” أنه ” يجب أن نذكر على كل حال أنه لم يحدث انتقال واسع من الإسلام إلى النصرانية في قطر ما إلا بعد أن تبدل ذلك القطر بحكومته الإسلامية حكومة غربية مسيحية، وذلك فقط إذا كانت هذه الحكومات الغربية المسيحية تنهج سياسة فعَّالة في مساعدة الإرساليات”.(1) ولا تعني عبارة (الحكومات الغربية) السيطرة الغربية المباشرة، إذ إن هذه السيطرة المباشرة قد زالت مع زوال الاحتلال من بلاد المسلمين.

    13- تأليف الأذهان:
    وهناك وسائل أخرى مساندة وغير واضحة للجميع، كالتأليف علىالرموز والشعائر النصرانية كالصلبان والأجراس، والمناسبات الدينية والثقافية، وغيرها من وسائل تأليف الأنظار والأذهان. ومن ذلك المحاولات المستمرة لإقامة الكنائس للإرساليات والمدارس والأندية تكون مرتفعة ومتميزة “حتى تؤثر في عقول الزائرين وفي عواطفهم وخيالاتهم. إن ذلك في اعتقاد المبشرين يقرب غير النصارى من النصرانية”.(2)
    ولا تعني هذه الأبنية وجود نصارى في الأماكن التي تبنى بها، ولكن يُحضر لها من يشغلها أوقات العبادة، وإذا ما اعترضت بعض التحديات هذه الطريقة، كأنْ يرفض المسلم بيع بيته أو أرضه من أجل إقامة مؤسسة تنصيرية عليه، أغروه بالمال الكثير ليرحل إلى مكان آخر.( 3)
    وفي عاصمة عربية إسلامية تعد بوابة المسلمين إلى أفريقيا هي الخرطوم يجد الواصل إليها عن طريق الجو أول ما يصادفه نادٍ تنصيري، ثم تليه على الطريق إلى المدينة مقبرة للنصارى، ثم تليها كنيسة نصرانية، فيحسُّ المرء أنه في مدينة نصرانية، أو غالبية أهلها من النصارى.(1) وتقوم كنيسة على مدخل المطار الجديد في البحري مساحة أرضها مئة ألف متر مربع (100.000م2). وهذا شكل من أشكال تغيير طابع العاصمة الإسلامي إلى طابع نصراني.(2)
    وهناك وسائل عدة لتأليف الأنظار والأسماع على الرموز والأسماء النصرانية. ومنها ما شاع في الأسماء، وخاصة الإناث وأسماء الأماكن التجارية والمطاعم ومرافق الخدمات التجارية العامة التي فشت الآن في المجتمعات المسلمة، وأصبحت عنوانًا من عنوانات الانخراط في ركب الحضارة والتقدم. وهذه وغيرها وسائل للتأليف على المفهوم العام والشامل للتنصير الذي انتقل من مجرَّد إدخال غير النصارى في النصرانية, على ما ورد التوكيد عليه عند الحديث عن المفهوم واستعراض الوسائل المباشرة.
    إلا أنه لا بد من شيء من التوازن في النظر إلى التأليف بالرموز. فليس بالضرورة أن كل ما يوحي بالتأليف يدخل في مفهوم التأليف على الرموز. والتثبت دائمًا يعين على الوصول إلى الحكم الصحيح القاطع، ذلك أن بعض المتابعين قد يصاب بالحساسية المفرطة حول كل ما يوحي بالتأليف برموز شائعة في الثقافات الأخرى. والحساسية مطلوبة، والحذر مهم. ومع هذا فينبغي أن يكون كلُّ شيء بقدر دون مبالغة. وهذا يتفق مع ما سعيت إلى التوكيد عليه سالفًا من أنه ليس بالضرورة كل الغرب بأفراده وجماعاته ومؤسساته يقبل الانخراط في هذه الأشكال والأساليب المذكورة أعلاه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s